بينما يواجه أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة أكبر أزمة وكارثة إنسانية في تاريخهم، تواصل مصر إغلاق بوابة معبر رفح بالكتل الإسمنتية، ولا تسمح إلا لعدد محدود جداً من الشاحنات المحملة بمساعدات طبية ومياه، وبعض الأغذية الخفيفة بالوصول للقطاع، وبضع عشرات من الجرحى بالسفر.
فعلى مدار أكثر من 29 يوم من العدوان المتواصل، لم يدخل من معبر رفح سوى بضع مئات من الشاحنات التي تحمل مساعدات فقط، في حين أن اليوم الواحد كان يشهد تدفق ما بين 450-600 شاحنة على قطاع غزة، بينما يغص الجانب الآخر من المعبر بكميات كبيرة جداً، من المساعدات، التي لم يسمح بوصولها القطاع.
ووفق هشام عدوان، الناطق باسم المعابر في قطاع غزة، فإن حركة وصول الشاحنات بطيئة ومحدودة، ثمة سلع كثيرة في مقدمتها الوقود لا يسمح بدخولها القطاع.
وأكد عدوان أن هناك بطئ شديد جداً في دخول الشاحنات، وعملية التفريغ والشحن تستغرق وقت طويل، وهذا يحول دون وصول المساعدات بشكل سلس.
في حين أكد مصدر مطلع على معبر رفح، أن وكالة الغوث وهي الجهة المكلفة باستسلام المساعدات، تتعامل ببطيء ومماطلة في إدخالها للقطاع، وأحيانا يعلن عن دخول 25 شاحنة مثلاً، لكن لا يصل إلا 10 أو 12 شاحنة فقط، ويتم تأجيل المتبقية لليوم الآخر.
وأكد المصدر ذاته لـ"فلسطين بوست"، أن المساعدات المذكورة تخلو تماماً من المواد الغذائية الأساسية والوقود، أو حتى مواد مهمة للمستشفيات، فجل ما وصل هي أدوية، ومحاليل، ومستهلكات طبية تصنف على أنها هامشية، إضافة لمياه معدنية، وأكفان، وبسكويت.
وأوضح المصدر أنه مساء كل يوم، وعند انتهاء دخول الشاحنات، تغلق مصر المعبر بالكتل الإسمنتية، في حين تقوم طائرات الاحتلال بقصف الطريق أمام بوابة معبر رفح، وفي الصباح يتم إزالة الكتل الاسمنتية، وردم الحفر التي نجمت عن القصف، وهكذا.
وكان مصدر مصري أعلن في وقت سابق أن عملية دخول البضائع تستغرق وقت طويل وعراقيل كبيرة، بحيث تتحرك الشاحنات من معبر رفح إلى معبر العوجا الحدودي مع مصر، والذي يبعد نحو 100 كيلو متر من بوابة معبر رفح، ويتم تفتيشها، حيث تقضي هناك ساعات طويلة، ثم تعود لمعبر رفح، بحيث يتم إدخالها، ويصادر الاحتلال الكثير من السلع.
مجاعة على الأبواب
ويعيش قطاع غزة أزمة إنسانية كبيرة، ويقترب سكانه من حافة المجاعة، مع نفاذ كامل لكافة المواد الاستهلاكية، خاصة الأساسية منها، مثل الطحين، والزيت، والسكر، وانقطاع الكهرباء، وعدم السماح بدخول وقود.
وما زالت المخابز تشهد توافد عشرات الآلاف من المواطنين، منن يصطفون أمامها في طوابير طويلة للحصول على الخبز، في ظل استمرار انقطاع الكهرباء، وشح الغاز، ما تسبب بتوقف اعمال الخبز المنزلية، إذ أضحت المخابز المكان الوحيد للحصول على الخبز، ومؤخراً أغلت العشرات منها، بسبب نفاذ الوقود والطحين.
وتفاقمت أزمة الخبز بصورة كبيرة خلال الفترة الماضية، مع حاجة العائلات لكميات كبيرة من الخبز، خاصة في مناطق وسط وجنوب القطاع، التي استقبلت زهاء 7٠٠ ألف نازح من شماله.
ويقول المواطن خليل عاشور إنه اصطف في طابور طويل أمام مخبز لأكثر من ثلاث ساعات، دون أن يتمكن من الحصول على ربطة خبز، بسبب نفاذه، وقد كتب صاحب المخبز أسماء المتواجدين في الطابور، وطلب منهم العودة في اليوم التالي للحصول على الخبز، آملا أن يحصل على مبتغاه.
في حين أكد أصحاب مخابز في لقاءات منفصلة مع "فلسطين بوست"، أن المخابز تعمل في ظل ظروف صعبة، فكل مخبز بحاجة للكهرباء لتشغيل المكن، إضافة لغاز الطهي لانضاج الخبز، وكميات الوقود بأنواعه تتراجع بشكل كبير، ويخشون من نفاذها، ما يعني توقف المخابز كلياً.
استهداف الأغذية
في حين أكد سلامة معروف رئيس المكتب الإعلامي الحكومي أن الاحتلال يتعمد قصف المنشآت التجارية ونقاط تخزين وبيع المواد الغذائية، لمفاقمة الكارثة الإنسانية وتسريع نفادها من الأسواق.
وأضاف معروف أن الاحتلال يتعمد قصف وتخريب الأراضي المزروعة بالخضروات ويمنع وصول المزارعين لها، حيث ألحق القصف دماراً بأكثر من 35 الف دونم من المزروعات.
كما استهدفت طائرات الاحتلال مزارع دواجن وأبقار ما تسبب بنفوق عشرات آلاف الطيور، وآلاف العجول والأبقار، بينما يواجهه قطاعي الثروة الحيوانية والدواجن مخاطر كبيرة، جراء منع وصول الأعلاف للقطاع.
محال تفرغ
وبات يلاحظ نفاذ الكثير من السلع والمواد الغذائية من البقالات والمحال التجارية في القطاع، خاصة في مناطق جنوب ووسط القطاع، التي استقبلت مئات الآلاف من النازحين.
وتُشاهد الكثير من أرفف المحال التجارية فارغة تماماً، بينما يتواجد أصناف وكميات محدودة في أخرى، وسط نقص حاد جداً في سلع أساسية في مقدمتها الطحين.
ويقول البائع خليل جابر إنهم يواجهون صعوبة في جلب سلع وبضائع بدل تلك التي نفذت، فبعض تجار الجملة يؤكدون نفاذ الكثير من الأصناف، بينما رفع آخرون أسعار أصناف أخرى، ويبدو الوضع سيسوء أكثر في المرحلة المقبلة، مع استمرار اغلاق المعابر، وتشديد الحصار على قطاع غزة.
وأكد مواطنون أنهم باتوا يبحثون عن الكثير من السلع ولا يجدونها، إذ قال المواطن نبيل ماضي، إنه وبصعوبة وجد عدد من معلبات الفول، وكمية محدودة من السكر، وحال بقي الوضع على حاله، فإنه لن يجد شيء، وسيصبح الوضع كارثيا بشكل أكبر من ذلك.
مياه ملوثة
وفي ظل أزمة المياه الكبيرة، تتوجه يومياً عربات كارو تجرها حيوانات، تحمل خزانات مياه سعة الخزان ما بين 500-1000 لتر، إلى الآبار الارتوازية الزراعية، التي يمتلك مالكوها أنظمة طاقة شمسية تعمل على تشغيل المضخات لتخرج المياه من باطن الأرض، وتقوم بتعبئتها، ثم بيعها للمواطنين.
ويتم بيع حمولة الخزانات لعائلات في مراكز المدن، إذ يقوم مواطنون بنقل المياه إلى خزاناتهم إما بواسطة مضخات يتم تشغيلها بواسطة مولدات لمن يمتلكون وقود، أو عبر يتم تفريغها عبر جراكل، وتعبئة الخزانات المنزلية بها.
لكن الخطير في الأمر، أن تلك المياه غير خاضعة لعمليات الفحص أو "الكلورة"، إذ يتم وضع كميات مدروسة ومحسوبة من مادة الكلور، والمعقمات الأخرى في المياه من قبل البلديات ومصلحة مياه الساحل، قبل ضخها للمنازل.
ويقول المواطن أسامة عيد، واشترى مياه من أحد ملاك عربات الكارو، إنه يعلم أنها مياه غير آمنة، لكنها بديل قسري وإجباري في ظل انقطاع المياه عن المنازل، وهو يحاول وضع كمية من الكلور المنزلي فيها، رغم أنه غير مخصص لهذا الامر، ويوصي زوجته باستعمالها في الغسيل والاستحمام، وحال رغبت استعمالها للطعام أن تقوم بغليها.
وطالب مواطنون البلديات وجهات الاختصاص بفرض رقابة على الآبار الزراعية، وتعقيم المياه التي تخرج منها، تلافياً لانتشار الأمراض بين المواطنين، خاصة النازحين، ممن يستخدمون تلك المياه للشرب، في ظل انقطاع المياه تماما في مدارس وكالة الغوث.
كتب: محمد الجمل