مع اقتراب دخول العدوان الإسرائيلي أسبوعه الرابع بلا توقف، بات المواطنون في قطاع غزة مضطرون للتعايش مع الظروف الراهنة، رغم خطورة الوضع، وصعوبة التحرك.
فقد بدأت الأحياء السكنية تستعيد نشاطها تدريجياً، وعاد مواطنون لممارسة حرفهم وأعمالهم بالحد الأدنى الممكن، في محاولة لتوفير قوتهم وقوت عائلاتهم.
بينما تخلى مواطنون عن خوفهم وحذرهم، وبدأوا بالتنقل والتحرك في مناطق القطاع، لجلب بعض الاحتياجات الهامة لأسرهم، وعيادة جرحى، ومواساة عائلات مكلومة.
العودة للعمل
المواطن أسامة عودة، من سكان مدينة رفح، أكد أنه وبعد جلوسه في البيت لأكثر أسبوعين، استدعاه مالك المزرعة التي كان يعمل فيها، وعاد لممارسة عمله في قطاع الزراعة، عبر جني المحاصيل وتوزيعها على الأسواق.
وأوضح عودة أنه يدرك تماما خطورة عمله في منطقة مكشوفة، وتحت أعين الطائرات، لكنه لا يمتلك خياراً آخر، فعائلته بحاجة للطعام واحتياجات أخرى، وحال بقي في المنزل سيموتون من الجوع، لذلك قرر المخاطرة.
وبين أنهم يعملون في اليوم خمس ساعات فقط، إذ استطاع مالك المزرعة توفير خط مياه لري مزروعاته، عبر أحد الآبار التي تعمل بنظام الطاقة الشمسية، وقسموا أنفسهم لمجموعتين، في محاولة لتقليل العدد العامل في المزرعة.
أما المواطن خالد جابر فاكد أنه أعاد فتح ورشة متخصصة بإصلاح مولدات الكهرباء، بعد أن عاد مواطنون تشغيلها والاعتماد عليها في ظل الازمة القائمة، وعدم توفر أي نوع من الكهرباء، فالطاقة مهمة لرفع المياه للخزانات العلوية، وشحن البطاريات، والهواتف، وغيرها من الأمور.
وأوضح أن مواطنين ينقلون إليه مولدات لم يتم تشغيلها منذ عشر سنوات، ويحاول إصلاحها، وتركيب القطاع اللازمة لها، رغم ندرة قطع الغيار، لافتاً إلى أن أحد المواطنين جلب لله مولدين، وقال له أصلح واحد من الآخر، المهم أن أتمكن من رفع المياه للخزانات العلوية، مع الطلب بأن يصبح المولد قادراً على العمل على وقود غاز الطهي بدلاً من البنزين.
وأكد أنه بات يعتقد بأن مهنته التي توقفت لسنوات، ستستمر خلال الفترة الماضية، مع صعوبة إمداد القطاع بالكهرباء، فقد تصبح تلك المولدات وسيلة المواطنين للحصول على الكهرباء، لذلك يحاول جلب قطع غيار، ومعدات تساعده في التصليح.
وشدد على أنه يعمل في ظل ظروف عصيبة وخطرة، واستمرار القصف، ولا يعلم متى وأين ستكون الضربة المقبلة، ومن سيكون ضحيتها من المدنيين، لكنه لا يمتلك خياراً سوى استمرار العمل.
عمل في ظروف خطرة
الحال نفسه تكرر مع بائع الخضروات المتجول يوسف شعبان، الذي يضطر كل يوم للتوجه للمزارع لجلب الخضروات عبر عربة كارو يمتلكها، ثم يتجول في الشوارع والأحياء من أجل بيعها.
وأكد أنه يحمل روحه على كفه من أجل لقمة العيش، فزميل له تصادف مروره من أمام عمارة تعرضت للقصف المفاجىء، استشهد هو ونفق حماره، ودمرت عربته، لكنه ورغم الخطر لا يمكن أن يبقى في البيت بلا عمل، فأسرته بحاجة للطعام، والحيوان أيضا بحاجة لأكثر من 12 شيكل ثمن علف يومياً، رغم ذلك يتجنب العمل في الأسواق المزدحمة، التي من الممكن أن تكون هدفاً مفضلاً لطائرات الاحتلال.
وأشار إلى أن شعوره بأن العدوان قد يطول دفعه للتخلي عن خوفه وحذره، والعودة للعمل من جديد، متمنياً أن تنتهي تلك المحنة بأسرع وقت ممكن، وتعود الحياة لطبيعتها.
تحرك رغم الخوف
أما المواطنون، فقد تخلو أيضاً عن حذرهم وخوفهم وباتوا مجبرين على التحرك، وممارسة حياتهم بصورة شبه طبيعية، ولو بالحد الأدنى، إذ يقول المواطن خالد سلامة، إنه قضى عشر أيام متواصلة في البيت إلى جانب أبنائه، لكن لا يستطيع البقاء بلا نهاية، فهو مضطر للتحرك، من أجل جلب احتياجات أسرته، وعيادة اقربائه الجرحى، ومواساة بعض العائلات التي فقدت احبتها.
وأكد أنه يعلم خطورة التحرك، ويحاول قدر المستطاع اقتصاره على الأمور الهامة، لكن الأمر لا يسلم، فيوميا يخرج ما بين مرتين إلى ثلاثة.
ولفت إلى أنه يشاهد بوضوح تعابير الخوف والقلق على وجوه الناس، ممن يغادروا منازلهم متعجلين، يحصلون على احتياجاتهم م يعودون بسرعة إلى عائلاتهم التي تنتظرهم بقلق.
أما المواطن النازح محمود عمران، فأكد أنه وبعد ترك منزله لأكثر من عشرة أيام قرر التخلي عن خوفه، والتوجه للمنزل الواقع شرق محافظة رفح، لتفقده، ووضع العلف والماء لطيور يربيها، لم يستطع نقلها معه.
وأكد أن زوجته حاولت جاهدة ثنية عن قراره، وجعله يبقى في المدرسة التي يقيم فيها، لكنه رفض، وذهب بالفعل للبيت، وقد شاهد في رحلتي الذهاب والعودة دمار كبير، أحدثته عمليات القصف المدفعي المتواصلة، وطوال تواجده في تلك المناطق كان يسمع دوي الانفجارات في كل جانب.
عمل إنساني خطر
ورغم خطورة الوضع، وصعوبة التحرك، إلا أن شبان ومتطوعين ومبادرين، قادوا سلسلة من الأعمال الإنسانية والاغاثية والتطوعية، من أجل إسناد المهجرين والمساهمة في تقديم العون لهم، وكذلك مساعدة أطقم الإنقاذ في انتشال الجرحى والشهداء من تحت الركام.
ويقول الشاب أحمد المصري، إنه يتوجه إلى مواقع القصف، ومعه بعض المعدات البسيطة، ويعمل إلى جانب رجال الدفاع المدني من أجل المساعدة في إخلاء الشهداء والجرحى، لافتا إلى أن عمله محفوف بالمخاطر من أكثر من جانب، فمع إمكانية حدوث انهيارات للمباني خلال العمل، هناك خشية من تكرار استهداف الموقع المستهدف، وهذا حدث أكثر من مرة، إضافة لخطورة وجود أجسام لم تنفجر، قد تنفجر في أية لحظة، لكنه يؤثر عمله على حياته، ولا يمكنه البقاء في المنزل في مثل هذه الظروف، فكثر من ماتوا في منازلهم.
بينما يقول رئيس تجمع مبادرون في رفح سليمان المدلل، إن العمل الخيري للتجمع لم يتوقف منذ اليوم الأول من العدوان ورغم الخطر، فعشرات المبادرين والمبادرات تخلوا عن خوفهم، وهبوا لنجدة المتطوعين، ويومياً يتم طهي كميات كبيرة من الطعام وتقديمه للأسر النازحة، كما يتم تلبية مناشدات لمحتاجين، والفرق تتحرك على الأرض وتتنقل بين الأحياء وبين مراكز الإيواء، موضحاً أن العمل الإنساني أسمى من كل شيء.
فيما سطر الأطباء في المشافي الحكومية والخاصة أعظم معاني التضحية والفداء، بعد أن ضحوا بأرواحهم، من أجل علاج الجرحى، واستمرار تقديم المشافي خدماتها، بعد أن تلقت كافي المشافي الحكومية إنذارات اخلاء إسرائيلية.
وأكد أكثر من مدير مستشفى بينهم مدير المستشفى الكويتي التخصصي صهيب الهمص، أنهم ورغم تلقيهم تهديدات من الاحتلال بإخلاء المستشفى ثلاث مرات، إلا أنهم يرفضون ذلك، وقرروا البقاء فيه، وعدم الخروج منه إلا شهداء، فحياتهم ليس اغلى من حياة المرضى والجرحى، ولن يغادروا المستشفى إلا شهداء.
كتب: محمد الجمل