انتشرت خلال السنوات القليلة الماضية عشرات نقاط تعبئة الغاز المنزلي العشوائية، وسط الأحياء السكنية، والتي تقوم على بيع الغاز للمواطنين، بكميات قد تصل لكيلو جرام واحد.
هذه النقاط غالبًا ما تكون غير مرخصة، سرية، يتم إقامتها في مناطق مختلفة، وسط الأحياء السكنية المزدحمة، وفي مخازن تحت بنايات سكنية، وحتى في أكشاك صغيرة، وقد وقع خلال الفترة الماضية عشرات الحوادث بعضها خطيرة، جراء تلك المحطات، التي تسعى الجهات المختصة لمحاربتها، وتصادر باستمرار محتوياتها، وتُغرم ملاكها، وتحيل بعضهم للنيابة العامة.
وشكل الحادث الأخير، الذي وقع أمس الثلاثاء في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، بعد اندلاع حريق كبير في نقطة غاز عشوائية أسفر عن إصابة أربعة من عناصر الدفاع المدني بحروق، نقطة فاصلة في الحرب المستمرة على هذه النقاط، وبدأت الجهات المعنية بتصعيد إجراءاتها بحق القائمين عيلها، وقررت اتخاذ إجراءات أكثر صرامة خلال الفترة المقبلة.
تحدي مستمر
ويقول مدير الأمن والسلامة في الدفاع المدني في قطاع غزة، المقدم دكتور محمد المغير، لـ "فلسطين بوست"، إن الجهاز أخذ على عاتقه إلى جانب جهات أخرى محاربة هذه الظاهرة الخطيرة، ونجح منذ بداية العام الماضي في إغلاق أكثر من 150 نقطة في مختلف أنحاء القطاع، وجرى مصادرة أجهزة، واسطوانات، وموازين، وغيرها من المعدات التي يتم استخدامها في هذه العملية.
وبيّن أن هناك موزعين يقوموا بتعبئة أسطوانات غاز كبيرة، ثم يفرغوها في أسطوانات صغيرة، وهذا محظور ومخالف للقانون ويعرض حياة الناس للخطر، وفي حال تم ضبط جهاز أو مضخة من هذا النوع يتم مصادرتها فوراً، وتقديم المخالف للنيابة، واتخاذ إجراءات قانونية بحقه، مبيناً أن خطورة الأمر كبيرة، وقد لا يدركها البعض فحدوث انفجار في أسطوانة بوزن 48 كيلو يحدث دائرة لهب قد يصل إلى قطرها 12 متراً، إضافة لإمكانية حدوث ما يسمى "انفجار بالعدوى"، عبر انفجار أسطوانات غاز أخرى مجاورة.
وأكد المغير، أنه اعتبارًا من أمس حصل جهاز الدفاع المدني على ضوء أخضر من النائب العام، لإجراءات جديدة، منها الإغلاق الإداري للمحطات العشوائية، والمحطات المرخصة التي تقوم على تزويدها بالغاز، وإجراءات أخرى أكثر صرامة بحق العاملين في هذا المجال الخطر والمحظور.
وأكد أنه جرى أمس اتخاذ قرار بإغلاق مؤقت لثلاث محطات تعبئة غاز كبيرة، بعد أن ثبت أنها زودت نقاط عشوائية بالغاز، ولاحقاً سيتم اغلاق أي محطة يثبت أنها تعاملت مع هذه النقاط.
ولم يخف المغير بأن هذه المحطات تشكل تحدي كبير للجهاز، كون معظمها سرية، وتعمل في أماكن غير معلنة، والوصول لبعضها يحتاج إلى جهد، وتعاون من المواطنين.
وأوضح أن بعض القائمين على هذه النقاط يجلبون أجهزة تعبئة واسطوانات جديدة بعد مصادرة القديمة من قبل جهاز الدفاع المدني، فهم يحققون أرباح كبيرة عبر خداع المواطنين، فعندما يتم تعبئة اسطوانة غاز منزلي من نقطة عشوائية يحصل المواطن على 10 كيلو غاز فقط، رغم أن وزن الأسطوانة يكون 12 كيلو، إذ تقوم الأجهزة المستخدمة في التفريغ والتعبئة بإضافة وزن 2 كيلو هواء في كل أسطوانة، وهذا يعني أن الكمية الفعلية التي يبيعها مالك النقطة العشوائية أقل مما يتم الحصول عليه من المحطات الرسمية.
بينما أكد الناطق باسم داخلية غزة إياد البزم، أنه يجري اتخاذ الإجراءات القانونية بحق صاحب نقطة الغاز العشوائية، التي اندلع فيها الحريق، والمحطة المزودة لها بالغاز، وإحالة الملف للنيابة العامة، مشددًا على أنه سيتم اتخاذ المزيد من الإجراءات المشددة لضبط وإغلاق جميع نقاط الغاز العشوائية المتبقية في محافظات غزة كافة؛ حفاظاً على سلامة المواطنين، مع اتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يخالف ذلك.
ظاهرة قديمة
وظهرت النقاط المذكورة مع بداية الحصار، وتحديداً حين قلصت إسرائيل كميات غاز الطهي التي تصل للقطاع، وبات الغاز سلعة شحيحة في غزة، ثم تزايد عددها جراء صعوبة الأوضاع الاقتصادية في القطاع، فيعتبرها البعض بمثابة مشاريع صغيرة توفر مصدر دخل لهم، رغم خطورتها، وتريح المواطنين من حيث سرعة الحصول على الغاز بالكمية التي يريدونها، خاصة للمركبات التي جرى تحويلها للعمل على هذا النوع من الوقود، لذلك باتت تنتشر في كل مكان، ولا تكاد تخلو منطقة منها، غير أن تكرار حوادثها الخطيرة جعلت البعض يسارع للإبلاغ عنها.
ووقع بسبب تلك النقاط الكثير من الحوادث، فبالإضافة لحريق النصيرات، وقع انفجار وحريق في مدينة رفح تسبب بإصابة شقيقين، وانفجارين في مدينة خان يونس، وحوادث أخرى.
ويقول مواطنون إن نقاط التوزيع المذكورة تبيعهم الغاز بالكمية التي يطلبونها، فبعضهم لا يمتلكون المال الكافي لتعبئة أسطوانة كاملة، أو حتى نصف أسطوانة، فيتجهون لأحد الموزعين، ويطلبون منه أن يضع لهم غاز في اسطواناتهم الفارغة حسب المبلغ المتوفر لديهم.
المواطن عبد الله ياسين قال لـ"فلسطين بوست"، إنه يعي خطورة تلك النقاط، التي قام بتعبئة اسطوانته عدة مرات من بعضها، معتبراً أنها أسهل في التعامل، فهي وبالإضافة لأنها تبيع الغاز بالكمية التي يرغبها المواطن، فإنها قريبة على المنازل بعكس المحطات البعيدة، كما أنه المواطن يستطيع الحصول على الغاز والعودة لمنزله في أقل من ربع ساعة، خلافاً لو أخذها الموزع، الذي يحتاج ما بين يوم الى يومين لإعادتها، وقد تكون الأسرة بحاجة للغاز حالاً لإتمام طهي أو خلافه.
بينما يقول سائق سيارة الأجرة حازم عبد الله، الذي يستخدم غاز الطهي كوقود لسيارته، إن معظم السائقين يقومون بتعبئة الغاز من المحطات الرئيسية المعتمدة، التي تتواجد عند أطراف المحافظات، فهي أكثر أمناً كما أنها تضع الكمية كاملة في الأسطوانة، لكن أحياناً يحدث طارئ بأن ينفذ الغاز بصورة مفاجئة في منطقة بعيدة عن المحطات، خاصة أن المركبات لا تحوي عدادات لمعرفة كمية الغاز، وهذا يضطر السائق للتوجه إلى أحد الموزعين لتعبئة الأسطوانة، مبينًا أنه ورغم تناقص عددهم، إلا أنه يعتقد بأن بعضهم لازال يعمل بسرية.
وأدى تخزين الغاز بكميات كبيرة وسط منازل سكنية، في وقوع كارثة كبيرة قبل ثلاث سنوات، بعد اندلاع حريق في مخبز بمخيم النصيرات، تسبب بوفاة 25 مواطن، وإصابة العشرات، ووقوع أضرار مادية كبيرة في كامل المنطقة المجاورة للحريق.
كتب: محمد الجمل