لاحظت عائلة الشابة ريم من مدينة غزة، تغيرات جديدة بدأت في الظهور على شخصيتها المرحة، حولتها إلى أخرى ترغب في الانعزال، ولا يجد النوم إلى عينيها سبيلًا.
بدأت العائلة في سرد الاقتراحات لمحاولة إعادتها إلى سابق عهدها، وبعد استنفاد جميع المحاولات لم يطرأ أي تغير على حالة ريم، فاضطرت الأم على مضض إلى طرق باب الطبيب النفسي، علها تجد عنده إجابة ما فشل الجميع في تأويله، ما الذي غير ريم إلى أخرى؟
مرض الاكتئاب يهدد قطاع غزة
يشار إلى أن مرض الاكتئاب بات يهدد نحو 71% من سكان قطاع غزة، و50% من سكان الضفة الغربية، وفق دراسة مشتركة أجراها البنك الدولي، والجهاز المركزي للإحصاء، على أكثر من 6140 أسرة فلسطينية.
وتعتبر الظروف المعيشية الصعبة في قطاع غزة، وسلسلة الاعتداءات المتكررة التي شنها الاحتلال على القطاع، إلى جانب الحصار المفروض عليه منذ 17 عامًا، أسبابًا رئيسية أدت إلى تعزيز الضغوط النفسية لدى سكان القطاع.
فوفق تقرير أصدره مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية في أغسطس 2022، فإن ثلثي سكان قطاع غزة بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي.
معاناة مع الاكتئاب
تحدثت الشابة ريم لـ"فلسطين بوست" عن تجربتها مع مرض الاكتئاب قائلة إنها اكتشفت إصابتها بمرض الاكتئاب من خلال أمرين، هما حدة الشعور، وطول مدته، وهذا ما جعلها تدرك أن الأمر ليس مجرد نوبة حزن عابرة.
وأضافت أنها كانت تشعر بانعدام الرغبة في النهوض من السرير، إلى جانب انعدام الرغبة في جميع الملذات، كالطعام، أو قضاء وقت ممتع مع الصديقات، أو إجراء حديث ممتع.
وتابعت أن ممارسة المهام اليومية البسيطة كان أمرًا شاقًا بالنسبة لها، مشيرة إلى أن أبسط نشاطا بدنيا تمارسه كان بمثابة تسلق جبل من شدة مشقته.
وأوضحت أنها تلقت من عائلتها العديد من النصائح لمحاولة الخروج من حالتها، دون أن تجدي نفعًا، موضحة أن خطوة التوجه إلى طبيب نفسي تأخرت كثيرًا لكنها غيرت حياتها كليًا.
وعن علاج الاكتئاب قالت إنها وعائلتها اضطروا لاتخاذ خطوة اللجوء إلى الطبيب النفسي بعد استنفاد كافة الحلول المطروحة وعدم جدواها، رغم عدم رغبتها في ذلك.
وأوضحت أن ذهابها إلى الطبيب غير حياتها بشكل جذري، وأنقذها من موت ربما كان وشيكًا، بعد أن كانت فاقدة تمامًا لكل مظاهر الحياة الطبيعية.
وعن تفاصيل العلاج من مرض الاكتئاب أكدت أن الطبيب وضع لها خطة علاجية متكاملة شاملة للعلاج السلوكي والدوائي، وبدأت حالتها في التحسن بشكل سريع ومتواصل.
ووجهت ريم نصيحتها لكافة الشباب بعدم التهاون عند ظهور أعراض الاكتئاب كانعدام الرغبة بالحياة، والأرق، والشعور بالمشقة من أي مجهود، مؤكدة على أهمية زيارة الطبيب النفسي للحصول على التشخيص المناسب، والعلاج المناسب.
انتحار
وفي منتصف شهر أغسطس الماضي انتحر الشاب محمد النجار من مدينة خانيونس بقطاع غزة، بتفجير نفسه بقنبلة يدوية، مشيرًا برسالة إلكترونية تركها قبل رحيله، أنه يعاني من مرض الاكتئاب منذ 8 سنوات.
وحذر الطبيب والمعالج النفسي يوسف عوض الله، في حديثه لـ"فلسطين بوست" من مخاطر مرض الاكتئاب النفسي على المصابين به، مؤكدًا أن هذا المرض أحد أهم أسباب الانتحار عالميًا، وليس في فلسطين فقط.
وأضاف عوض الله أن ما يزيد عن 360 مليون شخص في العالم يعانون من مرض الاكتئاب على اختلاف مراحله، موضحًا أن المرض قدي ينتج بسبب ضغوطات الحياة، والمشاكل الشخصية التي يمر بها الفرد.
العلاج ممكن
وعن تشخيص مرض الاكتئاب أوضح عوض الله أن المرض يدفع المصاب به إلى كهف العزلة الاجتماعية، إلى جانب فقدان الشغف في الحياة، وانعدام الرغبة في فعل شيء.
وأكد أن مريض الاكتئاب في المراحل المتأخرة من المرض يصل للاعتقاد بأن الموت هو الحل الوحيد لإنهاء ما يمر به من معاناة، وما يتسبب به للآخرين من ألم.
وأعرب عوض الله عن أسفه بسبب امتناع كثير من مصابي الاكتئاب عن التوجه للطبيب النفسي بسبب وصمة المرض النفسي المنتشرة في المجتمع الفلسطيني، مؤكدًا أن العلم تطور، وعلاج هذا المرض أصبح الآن ممكنًا.
ووجه عوض الله دعوته إلى كافة الجهات المختصة بالقطاع، بضرورة تبني خطة لمواجهة المرض، كما يحدث مع الأمراض الجسمانية الأخرى، إلى جانب نشر التوعية بخصوصه، والاهتمام بمرضاه.
يشار إلى أن قطاع غزة شهد في الأيام الماضية نشر فتيات وشبان على منصات التواصل الاجتماعي، منشورات يهددون فيها بالانتحار، بسبب الظروف المعيشية والنفسية الصعبة التي يواجهونها.