ارتبط التحليق المكثف لطائرات الاستطلاع الإسرائيلية في أجواء قطاع غزة، أو ما يطلق عليها محليا "زنانة"، بمشاهد قاسية لدى الغزيين، ممن لا زالت ذاكراتهم حبلى بالمآسي التي أحدثتها تلك الطائرات خلال السنوات الماضية، من نشر للموت، والخراب في كافة أرجاء القطاع.
ومنذ إطلاق قادة الاحتلال تهديداتهم ضد المقاومة، باتت تلك الطائرات لا تتوقف عن التحليق في سماء قطاع غزة على مدار الساعة، وقد دفع الاحتلال بأنواع متطورة منها، قلما تحلق في أجواء القطاع.
طائرات تجسس واغتيال
ووفق ما تم رصده خلال الأيام الماضية، فثمة عدة أنواع من تلك الطائرات، منها "راكب السماء"، وهي طائرات مسيرة بدون طيار، لديها قدرة على حمل صواريخ دقيقة التوجيه، قادرة على تنفيذ عمليات اغتيال سواء داخل منازل، أو مركبات، أو حتى لأشخاص يسيرون على الأقدام.
ويستخدم الاحتلال كذلك طائرات تجسس مُسيرة من عدة طرازات وأحجام، تحلق على ارتفاعات مختلفة، وتنفذ مهام متنوعة، منها تصوير الأماكن، وتحديد الاحداثيات، ومراقبة بعض المناطق.
ولأول مرة منذ عدوان مايو/أيار الماضي، جرى رصد تحليق مرتفع لطائرة استطلاع متطورة مأهولة من طراز " Sea Scan"، إضافة لطائرة متطورة أخرى من نوع تزوفيت" تعمل على مراقبة عدة مناطق في آن واحد، وتحمل أكثر من 10 ضباط استخبارات من وحدات مختلفة على متنها، وتراقب الاتصالات والمحادثات على وسائل الاتصال الاجتماعي، والإشارات السلكية واللاسلكية، إذ تعد من أخطر أنواع طائرات الاستطلاع التي يمتلكها جيش الاحتلال.
ترقب وحذر
وأدى هذا التحليق المكثف للطائرات وما رافقه من تهديدات إسرائيلية، إلى رفع الجهوزية والحذر في صفوف فصائل المقاومة، مع تكثيف مهمات المراقبة والاستطلاع لتحركات جيش الاحتلال في مختلف الميادين.
وأكدت مصادر مطلعة لـ"فلسطين بوست"، أنه جرى رفع الحيطة والحذر والاستعداد، خشية شن الاحتلال عمليات اغتيال، أو قصف مفاجئ، وفي حال شن الاحتلال أي عدوان، فإن المقاومة جاهزة للتصدي.
كما دفع الاحتلال بتعزيزات في محيط القطاع، لكنه عمل على إخفاء الآليات، واعتمد على أنظمة مراقبة وإطلاق نار آلية، على طول حدود القطاع الشرقية والشمالية.
نذير شؤم
وأبدى مواطنون خشيتهم من أهداف ودوافع الاحتلال من وراء التحليق المكثف لتلك الطائرات، مؤكدين أن ما يحدث حالياً يشبه تماماً الأيام التي سبقت شن العدوانين المفاجئين في آب من العام الماضي 2022، وكذلك في شهر مايو/أيار الماضي، الذي بدأه الاحتلال باغتيال عدد من قيادات المجلس العسكري التابع "لسرايا القدس" الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، وتبع ذلك جولة تصعيد استمرت أيام.
وأكد المواطن محمود عرفات أن صوت تلك الطائرات يرتبط دائماً في الأذهان بذكريات الحرب، ومآسي القصف والدمار، لذلك هو وغيره من المواطنين يعتبرون صوتها نذر شؤم.
وأكد أن ضجيج تلك الطائرات خاصة في الليل يشير إلى أن ثمة شيء ما يحاك ضد غزة، فهذا الضجيج يذكر الجميع بفترات العدوان وما بعدها وقبلها.
وأوضح أنه لا يستبعد أن يكون التحليق الكثيف لتلك الطائرات يأتي في إطار البحث عن "صيد ثمين"، للاحتلال، عبر تنفيذ اغتيال لشخصية قيادية، أو ما شابه، لذلك يجب الحذر منها.
في حين قال المواطن عبد الله مطر، إنه كل ما حدث ويحدث يثير مخاوفه، فكل شيء يشير إلى أن الاحتلال يخط لعمل إجرامي جديد، ضمن سلسلة جرائمه التي لا تتوقف، خاصة ما يتعلق بسفر وزير الحرب الإسرائيلي للولايات المتحدة الأميركية، ونيته الاجتماع مع شخصيات أممية ومسؤولين أميركيين، وكأنه يسعى لتبرير عدوان قادم، وهذا يشبه ما قامت به وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيفي ليفني، حين سافرت لبعض الدول العربية والأجنبية لتبرير مسبق لعدوان إسرائيلي عام 2008.
وأوضح أن الوضع الحالي وتحليق الطائرات، أثر على نفسيات الأطفال، وبات أبنائه يشعرون بالخوف، ودائمو السؤال حول إذا ما كان ثمة حرب قريبة، ويجيبهم بالنفي ويحاول طمأنتهم، رغم أنه نفسه غير مطمئن.

تهديدات مستمرة
ولا زال قادة الاحتلال يطلقون تهديدات علنية ضد المقاومة، في الضفة الغربية، وقطاع غزة، وحتى في لبنان، إذ قال وزير الأمن القومي الإسرائيلي، "إيتمار بن غفير": "نحن بحاجة إلى عملية عسكرية أخرى، والعودة إلى سياسة الاغتيالات، وأيضًا نشر حواجز على الطرق في جميع أنحاء الضفة".
بينما قال الصحافي نير دفوري من (القناة العبرية 12)، "إن من يقف خلف موجة العمليات الدامية التي تجتاح الضفة الغربية، ويوجه منفذيها، هما حماس وإيران، وفي اجتماع (الكابينت)، تقرر أن تقوم إسرائيل باستهداف مرسلي وموجّهِي منفذي العمليات، لكن الرد كان غامضاً، ولم يتم تقديم تفاصيل عملية، متى ومن سيتم استهدافهم".
وبينما قالت (القناة 13) الإسرائيلية، إن وزير جيش الاحتلال، "يؤاف غالانت" يسعى إلى تحصيل ثمن من "حماس" التي تغمر الضفة بالسلاح، وفق زعمه.
واتخذ المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية (كابينت)، الثلاثاء، قراراً بعد اجتماع استمر عدة ساعات، ووفق (القناة 12) الإسرائيلية، فقد اتخذ المجلس سلسلة قرارات لمهاجمة منفذي العمليات ومرسليهم، وجرى تفويض رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووزير جيش الاحتلال، يؤاف غالانت بالتحرك في هذا الشأن.
تهديدات ليس جديدة
وقال الناطق باسم حركة "حماس" حازم قاسم، إن تهديدات الاحتلال ضد قيادة الحركة، والمقاومة في غزة وخارجها، تعبير عن حالة الأزمة التي يعيشها الاحتلال، بعد تزايد عمليات المقاومة في الضفة الغربية، واتساع نطاقها الجغرافي، من أقصى شمال الضفة إلى أقصى جنوبها، معتبراً أن هذه التهديدات تعبير أيضاً على "قدرة عمليات المقاومة على إيقاع خسائر في صفوف جيش الاحتلال والمستوطنين، وعدم قدرة الجيش على حسم المعركة مع المقاومة.
وأكد قاسم على أن "التهديدات ليست جديدة، وقد كررها الاحتلال في كل مرة يدخل في أزمة بفعل تصاعد المقاومة، مشيراً إلى أن الاحتلال عملياً يشن حربًا مفتوحة على شعبنا، حيث استشهد منذ بداية العام الجاري 226 شهيداً.
كتب: محمد الجمل
اقرأ أيضًا: تقرير تصاعد العمليات في الضفة.. فشل إسرائيلي في وقفها وتهديدات بنقل المعركة لغزة