كان انهيار بناية "السعادة"، في مدينة غزة بمثابة صافرة إنذار، لتحذير جميع الجهات من خطر محدق يتهدد النازحين والمواطنين في قطاع غزة، خاصة مع اقتراب فصل الشتاء.
وبينما التحذيرات تتواصل، حدثت مزيداً من الانهيارات في القطاع، كان آخرها الجمعة الماضية، فقد وقع انهيار جزئي في منزل تعود ملكيته لعائلة "وشاح" في منطقة الصبرة، جنوب مدينة غزة وتمكنت طواقم الدفاع المدني من الوصول إلى المبنى وإخراج خمسة أطفال كانوا عالقين بداخله، وقد أصيبوا بإصابات طفيفة.
قنابل موقوتة وسط الزحام
مازالت البنايات المتضررة التي تقطنها عشرات العائلات، تشكل خطراً مُحدقاً على ساكنيها، وعلى المحيطين بها، سواء من نازحين يعيشون في خيام، أو مارة.
ويتواجد في القطاع، خاصة في مدينة غزة، مئات البنايات المتضررة، وبعضها يظهر بشكل مائل، وأخرى تعرضت أساستها لضرر بليغ، وهي بمثابة قنابل موقوتة وسط الزحام.
ومن بين المباني التي تُشكل خطراً على حياة الناس، "مبنى فلسطين" يقع في حي الرمال غرب مدينة غزة، حيث تعرضت العمارة لضرر بليغ جراء تكرار قصفها، ويظهر تأثر أساستها بشكل واضح، كما يتواجد فيها عدد من القنابل التي أطلقت عليها ولم تنفجر.
وحذر المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل، من أن هناك نحو 2000 مبنى متضرر وآيل للانهيار في قطاع غزة لا يزال مأهولاً بالسكان والنازحين، وقال إن طواقم الدفاع المدني تخشى تكرار ما حدث في ظل وجود كثير من المباني المتداعية.
وقال بصل إن طواقم الإنقاذ تحتاج إلى معدات ثقيلة وإمكانات إضافية، موضحاً أن الاحتلال يرفض إدخال هذه المعدات إلى القطاع.
بينما قال رئيس بلدية غزة يحيى السراج إن هناك خطر بانهيار مزيد من المباني السكنية المتضررة في المستقبل، مشدداً على ضرورة إدخال المنازل المتنقلة قبل حلول فصل الشتاء لتوفير بدائل للسكان والنازحين.
خطر يزيد مع الوقت
ووفق الخبير في شؤون المباني ناجي سرحان، فإن هناك نحو ألف وحدة سكنية ومبنى ما بين منازل وعمارات باتت آيلة للسقوط تمامًا، وإلى جانب ذلك رُصدت قرابة 500 حالة إضافية داخل عمارات متضررة تضم كتلًا خرسانية معلقة تشكل خطرًا مباشرًا على حياة السكان والمارة.
وبحسب سرحان تتزايد خطورة المباني المتضررة مع مرور الوقت والعوامل الجوية، حيث يهدد الشتاء بانهيارها بالكامل، ورغم إدراكهم للخطر، يضطر مئات المواطنين للبقاء فيها لانعدام البدائل السكنية وعجزهم عن تأمين خيام أو مساحات إضافية.
وقال سرحان: "شهدنا وقوع أكثر من عشرة انهيارات لمبانٍ متضررة خلال الفترة الماضية، مما يفرض ضرورة إجراء فحوص هندسية عاجلة وتأمين بدائل سكنية للسكان.
وأكد أن مواجهة الأزمة تبدأ فورًا من حماية أرواح القاطنين في المباني الخطرة، وإجراء مسح هندسي شامل، ومعالجة الكتل الخرسانية المعلقة التي تشكل تهديدًا مباشرًا بفعل فقدانها للتوازن الإنشائي، وتوفير بدائل إيواء عاجلة قبل قسوة الشتاء.
بينما قال مدير شبكة المنظمات الأهلية في قطاع غزة إن الأهالي يلجؤون إلى المباني المنهارة بسبب غياب البدائل، مؤكدا أن الفجوة بين الاحتياجات والمساعدات كبيرة، وأن أكثر من 90% من سكان القطاع يعتمدون على المساعدات، وسط تحذيرات من تفاقم الأزمة مع اقتراب فصل الشتاء.
1000 مبنى خطر
من جانبه، يقول الخبير في إزالة المباني الخطرة ورئيس مجلس إدارة ASH جروب للإنشاءات وإعادة الإعمار، سمير سعد، إن طبيعة المخاطر الحالية في غزة تختلف عن الحروب السابقة، مقدراً وجود أكثر من ألف نقطة مصنفة شديدة الخطورة، وقرابة ألفي بناية آيلة إلى السقوط بدرجة خطوة أقل.
وأوضح أن تقييم المباني يمكن أن يبدأ بالمعاينة والخبرة الفنية، قبل اللجوء إلى إجراءات أكثر تخصصاً. ويقسم المخاطر إلى ثلاثة أنواع رئيسية، أولها الكتل الخرسانية العالقة التي قد تتأثر بالأمطار والرياح وتصبح معرضة للسقوط، وثانيها المباني التي فقدت أجزاء من طوابقها أو عناصرها الإنشائية نتيجة القصف، ما يضعف قدرتها على تحمل الأحمال، أما النوع الثالث فيتمثل في المباني المائلة التي قد تتعرض للانهيار بصورة مفاجئة.
وأكد سعد أن التعامل مع هذه المخاطر يتطلب ترتيب المباني بحسب درجة خطورتها، بدءاً بالحالات الأكثر إلحاحاً إلى جانب توفير معدات متخصصة للإزالة والتدعيم. ويقول إن لديه معدات موجودة في الجانب المصري وإنه مستعد للمساهمة في إزالة أكثر من ألف نقطة خطرة إذا أتيح إدخال المعدات إلى القطاع.
خطر داهم
من جهته أكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة من أن آلاف البنايات المتضررة والمتصدعة جراء القصف الإسرائيلي باتت بمثابة "قنابل موقوتة" معرضة للانهيار في أي لحظة فوق رؤوس ساكنيها والنازحين. وجاء هذا التحذير المشدد عقب الفاجعة الإنسانية الناجمة عن انهيار "عمارة السعادة" السكنية المكونة من 6 طوابق في منطقة الصناعة بغزة، والتي أدت إلى استشهاد 21 فلسطينياً (بينهم 12 طفلاً) وإصابة آخرين.
وحمل المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة الاحتلال الإسرائيلي والمجتمع الدولي المسؤولية الكاملة عن انهيار المبنى في مدينة غزة، داعيا دول العالم والمنظمات الأممية والدولية إلى التدخل الفوري لرفع الحصار وفتح جميع المعابر أمام إدخال آليات ومعدات ومستلزمات الإنقاذ.
في حين قال منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة "رامز الأكباروف" إن المأساة التي وقعت مؤخراً "تسلط الضوء على المخاطر الجسيمة التي تواجهها الأسر" المقيمة في مئات المباني المتضررة، مضيفا: "لا ينبغي لأحد أن يضطر للمخاطرة بحياته لمجرد العثور على مأوى آمن".
ودعا إلى إصدار موافقات عاجلة لدخول الآليات الثقيلة والمعدات المتخصصة وزيوت المحركات والوقود اللازمة لعمليات البحث والإنقاذ.
وأضاف أنه يجب أيضا إيصال الخيام والمشمعات وغيرها من المواد غير الغذائية إلى المجتمعات الأكثر احتياجاً خلال الأسابيع الأربعة المقبلة.
وقدرت الأمم المتحدة حجم الأنقاض والركام الناتج عن الحرب في غزة بنحو 61 مليون طن، فيما تقول وكالات أممية إن إزالة هذا الحجم من الركام وإعادة تأهيل المناطق المتضررة ستتطلب سنوات.
لماذا انهارت عمارة السعادة؟
مازالت تداعيات انهيار "عمارة السعادة" بمدينة غزة، والتي خلفت 21 شهيداً بينهم 12 طفلا و5 سيدات، ومُسنان، وعدد من المصابين، إضافة لمفقودين، تتواصل وسط تساؤلات حول الأسباب الحقيقية التي أدت لانهيارها، خاصة بعد المحاولات اليائسة من الاحتلال للتملص من المسؤولية عن الكارثة.
من جهته أكد المكتب الإعلامي الحكومي أن العمارة كانت قد استُهدفت بشكل مباشر من قبل جيش الاحتلال في النصف الأول من حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، وتحديدًا في التاسع من تشرين أول عام 2023 قرابة الساعة الخامسة مساءً.
ووفق المكتب الإعلامي الحكومي فإن القصف الإسرائيلي حيث ذاك تركز على أساسات البناية وطابقيها الأول والثاني ما ألحق أضرارًا هيكلية بالغة ومتعمدة في بنيتها التحتية وقواعدها الأساسية.
وبحسب المكتب الإعلامي فإن هذا القصف المسبق والمركز هو السبب الحقيقي والمباشر لانهيار البناية بشكل تام، وادعاءات جيش الاحتلال ونفيه استهداف العمارة ما هي إلا محاولة يائسة ومفضوحة للتهرب من المسؤولية القانونية عن هذه الجريمة، وهي سياسة تضليلية ممنهجة يتبعها الاحتلال دائمًا للتنصل من الكوارث والمجازر التي يرتكبها.
واكد المكتب الإعلامي الحكومي أن المعاينات الهندسية والتقارير الميدانية الموثقة وشهادات السكان، أثبتت زيف رواية الاحتلال وتخبطه.
بينما أكد الناطق باسم الدفاع المدني محمود بصل أن البناية المذكورة سبق وتعرضت عدة مرات لقصف جوي، كما دمر القصف الإسرائيلي معظم المنازل والعمارات السكنية المحيط بها ما أدى إلى أضرار وتصدع السقوف والجدران والأساسات.
وحمل المكتب الإعلامي الحكومي مجددًا الاحتلال المسؤولية الكاملة والمباشرة عن هذا الانهيار والذي يندرج ضمن سياسة التدمير الممنهج للبنية التحتية والأعيان المدنية في مخالفة صريحة وواضحة للقانون الدولي الإنساني ولكافة المواثيق والأعراف الدولية.
كما حذر المكتب الإعلامي الحكومي في ذات السياق من خطر انهيار عشرات المباني السكنية المتصدعة الأخرى والتي باتت تُشكل خطرًا محدقًا يهدد حياة المواطنين والنازحين نتيجة قصفها وتخريب أساساتها من قبل الاحتلال خلال فترات الحرب المستمرة.