يتكئ السجال الدائر بين بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، والرئيس الأمريكي دونالد ترمب على تاريخ طويل من علاقة تقاربت حد التواطؤ، وتباعدت حد التلاسن، بين السلطتين الزمنية والدينية في الغرب، متراوحة بين التبرير في القرون الوسطى، والتفسير في القرون الحديثة، دون أن تأتي العلمنة، شاملة وجزئية، عليها تماما.
كانت هذه العلاقة، التي وصلت إلى مستوى التحالف، أحد التحديات الرئيسية التي واجهت فلاسفة التنوير، ومفكري العقد الاجتماعي، وعلى جانبيهما لفيف من الأدباء والفنانين والعلماء، حتى وجدنا شعارا يرفع أثناء الثورة الفرنسية، يقول: "اشنقوا آخر إقطاعي بأمعاء آخر قس".
ورغم بناء الدولة القومية الحديثة التي يخضع فيها القرار للمصلحة، ويتوسل بالعلم، ويخضع للحسابات الدنيوية، فإن حكام أوروبا المعاصرين حرصوا على عدم إغضاب الفاتيكان؛ لأن رأيه منتظر من ملايين الناس، خاصة في المجتمعات التي لا يزال الدين يلعب بها دورا ملموسا في ترتيب المعاش، وتقدير الأمور، مثل ألمانيا، وإنجلترا، والولايات المتحدة، حسب دراسات اجتماعية رأيناها ماثلة في أعمال عالم الاجتماع الإنجليزي أنطوني جيدنز، والبولندي زيجمونت باومان، ووفق تصورات طرحها فلاسفة متدينون، مثل هيغل، وسبينوزا صاحب التدين الخاص، في وجه آخرين ملحدين، مثل برتراند راسل، وفريدريك نيتشه.
كثير من القضايا مثل الإجهاض، والأرحام الاصطناعية، والموت الرحيم، والمثلية الجنسية، والاستنساخ، ومحاولة الحفاظ على الحياة عبر التجميد، كانت محل سجال بين الفاتيكان ومتخذي القرار في الغرب.
ومن بين القضايا المتجددة في هذا السجال موضوع "الحرب العادلة"، والتي تشترط أن تكون دفاعية وليست هجومية، وأن تكون ضرورية، أي لا يوجد حل آخر غيرها، وأن يُراعى فيها عدم السقوط في قتل مدنيين، وتدمير مساكن الناس، والبنى التحتية للدول.
فبينما يرى رجال الدين في الغرب، وعلى رأسهم الفاتيكان، أن السماء لا تقر القتل، ولا تستسيغ أفعال الإكراه المادي والمعنوي، فإن كثيرا من القادة العسكريين يتصرفون على أن الإفراط في القتل والتدمير هو الطريق الأيسر والأضمن لإحراز النصر، وتحقيق أهداف الحرب.
كان من الطبيعي أن تتصادم الرؤيتان حول الحرب على إيران، فالبابا ينطلق من أن الولايات المتحدة، وإسرائيل قد بادرتا بشن هجوم على إيران في وقت كان التفاوض بين الطرفين قائما، ما يعني أن الحرب ظالمة، أو هي عدوان سافر.
وهو موقف لم يرُق لترمب، الذي رد قائلا: "امتلاك إيران سلاحا نوويا غير مقبول على الإطلاق"، مع أن البابا لم يدعم امتلاك إيران هذا السلاح، إنما يرفض الحرب، إذ قال: "الله ليس مع الأشرار، ولا مع المتسلطين، ولا مع المتكبرين، وإنما معية الله مع المتواضعين، ومعهم يمضي قدما بملكوته؛ ملكوت الحب والسلام، يوما بعد يوم. فحيثما يوجد الحب والخدمة، هناك يكون الله".
هنا بدا البابا وكأنه يقدح في شخص ترمب، ثم أعطى البابا انتقاده إطارا أوسع، فحذر من خطر انزلاق الديمقراطية إلى الاستبداد، وفي رأيه لا تبقى الديمقراطيات سليمة إلا إذا كانت متجذرة في القيم الأخلاقية.
ورأيه هنا لا يبتعد كثيرا عن التصورات التي توجه للنظام الديمقراطي في الغرب خلال العقود الثلاثة الأخيرة، مع صعود اليمين المتطرف إلى سدة الحكم في بعض البلدان، وتمكين تياره في بعض المجتمعات، وتفريغ الديمقراطية من الإطار العام الذي يحميها، والقيم التي تشكل عصب فلسفتها الرئيسية.
لم يصمت ترمب- مثلما اعتاد بعض حكام الغرب حين تلقى بعض مواقفهم وقراراتهم وتصريحاتهم انتقادا من الحبر الأعظم، الذي دعا إلى إنهاء الحرب ورأى أن تهديد ترمب بتدمير حضارة إيران غير مقبول- إنما راح يواجه البابا، فوصف انتقاده بأنه "سيئ للغاية"، وادعى أنه متساهل مع الجريمة، وكارثي وفاشل في السياسة الخارجية.
وحين طلب البعض من ترمب الاعتذار للبابا، الذي يمثل 1.4 مليار كاثوليكي في العالم، رفض هذا، وقال في سلسلة تدوينات عدائية عبر منصته "تروث سوشيال": "لا يوجد ما يستدعي الاعتذار. إنه مخطئ".، ثم وصف البابا بأنه رجل ضعيف، ولا يفهم طموحات أمريكا، بل ذهب إلى حد القول إنه من اختار البابا لـ"يعمل معه"، استنادا إلى أنه أمريكي من شيكاغو، وأن الأفضل كان اختيار أخيه لويس؛ لأنه ينتمي إلى أنصار ترمب "ماغا".
ما زاد الخلاف بين الاثنين حدة، هو تلك الصورة التي نشرها ترمب واستخدم فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي، وأظهر فيها نفسه على أنه المسيح، حيث بدا وهو يجترح معجزة بشفاء مريض يحتضر، والضوء ينبعث من يده اليسرى، بينما يضع يده اليمنى على جبهة المريض محاطا بجنود وطائرات حربية، كما يظهر في خلفية الصورة النسر الأمريكي وتمثال الحرية، وذلك بعد أيام من مقارنة وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث عملية إنقاذ طيار أمريكي سقط فوق الأراضي الإيرانية بقيامة المسيح.
ورغم أن ترمب اضطر إلى حذف الصورة، فإن جوهر الخلاف بين الرجلين ظل قائما، بل تحوّل إلى أزمة متعددة الأبعاد، أخلاقية ودينية وسياسية، وهو يتعلق في فصله الراهن بطبيعة الحرب على إيران، إذ يرى البابا أن القوة المسلحة يجب أن تكون وسيلة لتحقيق سلام مستقر، وليس مجرد أداة للتهديد بالإبادة، مثلما يذهب ترمب، كما رفض توظيف الإدارة الأمريكية استخدام الرموز الدينية؛ لتبرير أهداف سياسية عبر الحرب.
وأظهر البابا تحديا قويا في وجه ترمب، في سبيل تخفيف معاناة الناس في العالم اليوم؛ وقتل كثير من الأبرياء، والبحث عن حل أفضل للمشكلات، وهنا قال: "لا أخشى إدارة ترمب، ولا أُبالي بشيء حين أدافع عن رسالة الإنجيل، وهذا ما أؤمن بأنني وُجدتُ لأجله، وما وُجدت الكنيسة لأجله.. سأواصل رفع صوتي عاليا ضد الحرب، ساعيا إلى تعزيز السلام، ودعم الحوار والعلاقات متعددة الأطراف بين الدول للبحث عن حلول عادلة للمشاكل".
ويعد ما جرى بين البابا وترمب هو المواجهة الأكثر عنفا في التاريخ، إن نظرنا إلى طبيعة العلاقة التي ربطت رؤساء أمريكا بالفاتيكان.
وقد مرت هذه العلاقة بأحوال عديدة تدرجت من بعض الشك والقطيعة والخلاف الأيديولوجي والتحفظ المتبادل، إلى الاعتراف الدبلوماسي، والشراكة السياسية والأخلاقية.
لكن البيت الأبيض نظر طوال الوقت إلى بابا الفاتيكان على أنه زعيم ديني أجنبي وليس شريكا سياسيا، خاصة أن الأغلبية الكاسحة من رؤساء الولايات المتحدة ينتمون إلى المذهب البروتستانتي بمختلف تنويعاته، باستثناء اثنين لم يظهرا التزاما دينيا واضحا وهما توماس جيفرسون، وأبراهام لينكولن. ليبقى الكاثوليكي الوحيد بين رؤساء الولايات المتحدة، هو جون كينيدي، والذي كان عليه أن يؤكد ولاءه لأمريكا وليس للفاتيكان.
موقف ترمب جاء بعد مرحلة من الانفتاح النسبي بين الفاتيكان والبيت الأبيض، حيث تقاربت مصالح الطرفين في محاربة الشيوعية، وانتهى تاريخ من الريبة الدينية، حتى أقيمت علاقات دبلوماسية بينهما عام 1984 في عهد ريغان.
ورغم حدوث تباين أخلاقي وسياسي بين الجانبين منذ بداية الألفية الثالثة، على خلفية قضايا الحرب على العراق، والإجهاض، والمثلية الجنسية، والرعاية الصحية، فقد توافق الطرفان في قضايا أخرى مثل مكافحة الفقر، وتحقيق السلام، ولعب الفاتيكان دورا مهما في التقارب الأمريكي الكوبي.
لكن مع ترمب بدأ التوتر الأيديولوجي، إلى درجة أكثر حدة، حول قضايا الهجرة، حيث رفض البابا سياسة الجدران الحدودية، وكذلك قضية البيئة، حيث دعا البابا لمواجهة التغير المناخي متناقضا في هذا مع رؤية ترمب.
وقد انعكس هذا على زيارة ترمب للفاتيكان في مايو/أيار 2017 ولقائه القصير مع البابا فرانشيسكو، الذي اتسم بالجفاء والبرودة، ولم تفلح بعض نقاط الالتقاء بين الجانبين مثل معارضة الإجهاض، ومناصرة الأقليات المسيحية، في بث أي شيء من الدفء في علاقة ترمب بالفاتيكان عموما.
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام: هل هناك تأثير سياسي لهذا الخلاف بين بابا الفاتيكان والرئيس الأمريكي؟
لنبدأ بالآثار خارج أمريكا، حيث يساهم موقف ترمب من البابا في توسيع الهوة بينه وبين أوروبا، لا سيما مع الخلاف القائم فعلا بين الجانبين حول أوكرانيا، وغرينلاند، وشراكة الناتو، ثم إدارة الحرب على إيران.
فأوروبا الكاثوليكية في أغلبها بدت غاضبة من ترمب، سواء على مستوى رجال الدين، وبعض المفكرين الذين ينتقدون سعي الرئيس الأمريكي إلى إخضاع الدين للسياسة، أو على المستوى الرسمي الذي رأيناه واضحا أكثر في موقف رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني من تصريحات ترمب، قائلة: "أعبر عن تضامني مع البابا ليو، وبصراحة، لن أشعر بالراحة في مجتمع ينفذ فيه الزعماء الدينيون ما يمليه عليهم الزعماء السياسيون".
أما داخل الولايات المتحدة فهناك اتفاق على أن تصريحات ترمب سترتد عليه خسارة خلال انتخابات الكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، في ظل "حساسية الصوت الكاثوليكي"، بل وصف بعضهم ما جرى بأنه "لم يعد مجرد خلاف دبلوماسي حول "الحرب العادلة، بل تحول إلى زلزال سياسي يهدد القاعدة الانتخابية للرئيس ترمب".
إذ يمثل الكاثوليك 19% من الشعب الأمريكي عامة، أي حوالي خُمس الناخبين في أمريكا، وهم الكتلة الأكثر "تأرجحا"، وقد لعبوا دورا في انتصار ترمب خلال الانتخابات الرئاسية 2025، وهم الآن يشعرون بنفور من إهانة ترمب رجلا يمثل رمزهم المقدس، وهو واحد منهم؛ لأنه أمريكي.
كما أن الصورة التي شبه فيها ترمب نفسه بالمسيح أثارت حفيظة البروتستانت أيضا، وهم يشكلون 40% من السكان، وطوائف مسيحية أيضا تشكل 3%، بل إن تصرف ترمب على هذا النحوـ وفق العقيدة المسيحيةـ لم يرُق، فيما يبدو، لأتباع ديانات أخرى داخل الولايات المتحدة، حيث يشكل اليهود 2%، والمسلمون نحو 1.2%، والبوذيون 1%، ومثلهم الهندوس، إلى جانب أقل من 1% أيضا ينتمون إلى معتقدات أخرى.
ويبدو أن ترمب قد نسي أن الدين كان يمثل بعدا مهما في دعايته الانتخابية، حيث تبنى خطابا محافظا في وجه الخطاب المفرط في التحررية للحزب الديمقراطي، لا سيما مع قضايا المثلية والتحول الجنسي وغيرها، ما جعل كثيرا من الأمريكيين، على اختلاف أديانهم، يرون في ترمب الرجل الذي يحمي عقائدهم.
وما يزيد من خسارة الرئيس الأمريكي في مواجهة البابا أن الأخير يتمتع من الناحية الأخلاقية، وفق استطلاع رأي لـ"إن بي سي نيوز"، بقبول شعبي أعلى بكثير من ترمب، حيث حصل البابا على نسبة +34، مقابل -12 لترمب.