أيقونة العملات

العملات

الدولار اليوم
اليورو اليوم
أيقونة الطقس

الطقس

أيقونة الإشعارات

اشعارات

تقارير بوست

مأساة المفقودين في غزة تتفاقم وعائلات تتنظر عودة الغائبين

27 مارس 2026 - بقلم: محمد الجمل

مازالت مأساة المفقودين في قطاع غزة متواصلة، بعد مرور أكثر من عامين ونصف على اندلاع الحرب على القطاع.

وتعيش آلاف الأسر في غزة معاناة إنسانية متفاقمة، بعد أن فقدت أحبائها، ولا تعرف شيئاً عن مصيرهم.

ذهبت للبحث عن ابنها فاختفت آثارها

وتعيش عائلة "سالم"، من سكان شمال القطاع ألم فقدان والدتهم "زينب سالم"، التي فُقد أثرها بعد أن غادرت منزل العائلة بحثًا عن ابنها المفقود، في واحدة من مئات الوقائع التي تعكس تعقيدات الحرب وآثارها الممتدة على المدنيين.

ووفق توثيق "المركز الفلسطيني للمفقودين"، لفاجعة عائلة "سالم"، فإن العائلة فقدت الأم والابن في ظرف وقت قصير، وتعيش معاناة كبيرة.

وبحسب توثيق المركز يقول "باسم سالم"، نجل السيدة "زينب"، إن المأساة بدأت عندما قرر شقيقه التوجه إلى منزل العائلة في مشروع بيت لاهيا، شمال قطاع غزة، عقب تداول أنباء بين السكان عن تراجع القوات الإسرائيلية من بعض المناطق.

وبحسب المركز فإن هذه المحاولات لم تكن استثنائية، إذ كان كثير من السكان، في ظل النزوح القسري ونقص الاحتياجات الأساسية، يلجؤون إلى المخاطرة بالعودة إلى منازلهم لتفقدها أو استرجاع ما يمكن إنقاذه من الطعام والملابس، رغم المخاطر الأمنية العالية.

ويضيف أن شقيقه كان قد حاول الوصول إلى المنزل في اليوم السابق دون أن ينجح، ما دفع العائلة إلى تحذيره من تكرار المحاولة، مؤكدين له أنهم لا يحتاجون شيئًا من المنزل في ظل خطورة الوضع، إلا أنه، في اليوم التالي، غادر بمفرده دون علمهم، قبل أن ينقطع الاتصال به بشكل كامل، ومع حلول المساء، بدأت العائلة تدرك أنه توجه بالفعل إلى المنطقة الشمالية، لتبدأ رحلة بحث شاقة لم تُفضِ إلى أي نتيجة.

حاولت العائلة، بحسب "سالم"، الوصول إلى أي معلومة حول مصير الابن، سواء عبر التواصل مع جهات إنسانية أو من خلال الاستفسار الميداني، إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل، وفي ظل غياب المعلومات، دخلت الأم في حالة من القلق الشديد، حيث لم تتقبل فكرة اختفائه، وظلت تعتقد أنه لا يزال في المنزل وبحاجة إلى من ينقذه.

ويصف "سالم" حالة والدته خلال تلك الفترة بأنها كانت تعيش "صراعًا مفتوحًا مع الخوف"، مشيرًا إلى أن العائلة حاولت تهدئتها دون جدوى، قبل أن تبدو وكأنها استعادت بعض الهدوء بعد مرور أكثر من أسبوع على اختفاء ابنها، غير أن هذا الهدوء لم يدم طويلًا.

في صباح أحد أيام الجمعة، تفاجأت العائلة باختفاء الأم من المنزل، في واقعة غير مألوفة بالنسبة لها.

ويؤكد "سالم" أنها غادرت دون إبلاغ أحد، كما لم تنجح أي من محاولات الاتصال بها، فيما حالت الظروف الأمنية وخطورة الطرق دون تمكن العائلة من الوصول إلى المنطقة التي يُرجّح أنها توجهت إليها.

ويرجّح سالم أن والدته أقدمت على هذه الخطوة مدفوعة باعتقاد راسخ بأن ابنها لا يزال داخل المنزل، وأنها قادرة على الوصول إليه وإعادته، رغم المخاطر.

 ومنذ ذلك الحين، لم تتوفر أي معلومات مؤكدة حول مصيرها أو مصير ابنها، ليُضاف اسماهما إلى قائمة المفقودين في قطاع غزة.

ووفق المركز الفلسطيني للمفقودين، فإنه وخلال حرب الإبادة على غزة، خاطر كثير من السكان بالذهاب للاطمئنان على منازلهم، حتى وإن كانت تقع قرب مناطق تُصنّف بـ"الخطرة"، إذ دفعتهم مرارة النزوح وغياب المأوى إلى المجازفة بالعودة، على أمل العثور على منازلهم بحالة جيدة تمهيدًا للعودة إليها.

خرج ولم يعد

"خرج عبد الله من المنزل ولم يعد، في البداية ظنت العائلة أنه خرج لقضاء حاجة وسيعود قريباً، لكنه لم يعد أبداً، ومرت الساعات ببطء، وبدأت العائلة تشعر بالقلق، فسألت الجيران وأصدقاءه، لكن لم يره أحد، وهكذا بدأت رحلة البحث الطويلة والمؤلمة".

وتقول عائشة أبو عمرة والدة المفقود عبد الله، إنها ذهبت إلى كل مستشفى في المنطقة، وراجعوا قوائم الجرحى، وبحثوا في وجوه الناس، كما بحثوا عن عبد الله بين الأسرّة، لكنه لم يكن هناك أيضاً، ثم لجأنا إلى قوائم المعتقَلين لدى الاحتلال، لكن عبد الله لم يكن موجوداً أيضاً، تضيف العائلة.

وتضيف والدته: "مرت سنة كاملة، مملوءة بالقلق، والأفكار، والألم الذي لا ينتهي. لا يمر يوم من دون أن أستيقظ على أمل أن عبد الله سيدخل من الباب، مبتسماً كما كان دائماً، ويقول: "لا تقلقي، يا أمي، أنا بخير." لكن هذا الأمل يذوب مع كل غروب.

لم يترك عبد الله وراءه أمه فقط، بل أيضاً ترك زوجته التي كانت حاملاً بطفلهما الأول، كان يحلم بأن يصبح أباً، وكان كثيراً ما يتحدث عن الاسم الذي سيختاره لطفلته، وكيف سيوفر لها كل شيء.

 زوجته الآن صامتة من شدة الحزن، وكأنها فقدت صوتها حين فقدت عبد الله، وابنته التي وُلدت بعد اختفائه تكبر كل يوم من دون أن تعرف والدها.

بينما تقول آية المناوي إن شقيقها جهاد نائل المناوي، أخذ قراراً جريئاً بالعودة إلى شمال غزة مع صديقه، على الرغم من كل المخاطر والتحذيرات التي كنا نعرفها. للأسف، لم نستطع منعه بقوة كافية، وكان ذلك اليوم بداية فصل مؤلم في حياتنا، فمنذ ذلك الحين، لم نسمع عنه شيئاً.

وتقول آية: بدأنا رحلة بحث طويلة ومرهقة؛ فبدأنا بالمستشفيات والمراكز الطبية، على أمل أن يكون قد أصيب وتم نقله إلى هناك، حتى إننا ذهبنا إلى مستشفى شهداء الأقصى، حيث يتم تسجيل الجثث المجهولة، ولم يكن بينها.

 بعد ذلك، لجأنا إلى الصليب الأحمر، ومنظمات حقوق الإنسان، وهيئة شؤون الأسرى، في محاولة للعثور على أي معلومة بشأن مصيره، لكن كل جهودنا كانت بلا جدوى.

11 ألف مفقود

وكشف المكتب الإعلامي الحكومي بغزة أن عدد المفقودين خلال الحرب على غزة يقدر بـ11 ألفا، منهم شهداء لم يصلوا للمستشفيات وما زال مصيرهم مجهولا، في حين فإن عدداً من مراكز الإحصاء الفلسطيني تضع المفقودين تحت الأنقاض خارج التصنيف لأن مصيرهم معلوم وإن لم يتم انتشالهم، وهؤلاء تتراوح أعدادهم حسب إحصائياتهم من 6 إلى 8 آلاف مفقود.

بينما أكد غازي المجدلاوي المسؤول في وحدة البحث الميداني بالمركز الفلسطيني للمفقودين أن هناك صعوبة في حصر عددهم، أو الوصول لإحصائية نهائية "فعدّاد الأرقام سيظل متزايدا مع استمرار العمليات العسكرية التي لم تتوقف على القطاع".

وأكد المجدلاوي أن الاحتلال يرفض إدخال فحص الحمض النووي اللازم للتعرف على هوية الشهداء مجهولي الهوية قبل دفنهم، موجها نداءه لوزارة الصحة بتجميع الجثامين مجهولة الهوية في مقابر جماعية مخصصة إلى حين توفر فحوصات البصمة الوراثية للتعرف على أصحابها.