مازال أهل غزة يبرعون في صناعة الأمل والفرحة، حتى من وسط الحرب والدمار والنزوح.
فلم يستسلم سكان القطاع لليأس الذي حاول الاحتلال زرعه في قلوبهم على مدار 30 شهراً متواصلة، وراحوا يستقبلون عيد الفطر السعيد بالفرحة والأمل، ويصنعون الحلوى والكعك لاستقبال أيامه، ويزينون خيامهم لاستقبال المهنئين بتلك المناسبة الدينية.
كعك العيد
وبدأت آلاف السيدات في مختلف مناطق قطاع غزة، بصناعة الكعك، تمهيداً لاستقبال عيد الفطر السعيد.
وعلى الرغم من العدوان والحصار وغلاء أسعار السلع، إلا أن الكثير من السيدات حرصن على إعداد الكعك والمعمول خاصة في الخيام، وسط أجواء احتفالية جميلة.
وتقوم السيدات من الجارات والأقارب بالتجمع في بيت أو خيمة واحدة، ويصنعن الكعك للعائلة، على أن يتجمعن مجدداً في اليوم التالي في خيمة أخرى لصناعة الكعك لعائلة أخرى وهكذا.
وأكدت المواطنة أم محمد المصري، أنها توجهت للسوق لشراء حاجيات الكعك، من تمر، وسميد، وكلفة، وزيت وسمن وغيرها من الأشياء التي تضفي طعم جميل على الكعك.
وأوضحت أن السلع شحيحة والاسعار عالية، وهناك بعض الحاجيات اختفت من السوق، وهذا أجبرها على التجول لساعات طويلة في السوق، حتى توفر كل الأشياء، خاصة السميد.
وأكدت المصري أن تجهيز الكعك في العشر الأواخر من شهر رمضان هي عادة جميلة، توارثتها عن أمها وجدتها، وتحرص كل عام على استمرارها، رغم الظروف العصيبة، وحياة النزوح والخيمة.
وأشارت إلى أن أكبر مشكلة تواجهها هذا العام هي ندرة غاز الطهي، ما يحول دون تمكنها من إشعال فرن الغاز لديها، موضحة أنها ستتوجه إلى فرن كبير وسط المخيم، ليخبز لها الكعك مقابل أجر مادي.
وأكدت أنها تستعد لاستقبال العيد، حيث تنوي تقديم الكعك، وحلوى المعمول، والحلقوم لضيوفها في الخيمة، مؤكدة أن الفرحة في العيد من تعظيم شعائر الله، وهي ستفرح أولادها، مهما كان الوضع صعباً.
مصانع تستعيد عافيتها
فيما أعادت مصانع صغيرة العمل من جديد، من أجل صناعة الحلوى قبيل عيد الفطر السعيد، خاصة الحلوى الشهيرة "حلقوم"، والتي تعتبر واحدة من أشهر أنواع الحلوى في العيد، التي اعتاد مواطنون على تقديمها لضيوفهم برفقة القهوة الساخنة.
وفي مواصي خان يونس، جنوب قاع غزة، ووسط آلاف الخيام، استعاد أحد الرياديين في الحرفة مصنعه بطريقة بدائية، وبالحد الأدنى من الإمكانات، وبدأ يصنع الحلوى المذكورة تمهيداً لتوريدها للأسواق.
ويقول سفيان الريفي، مالك المصنع المذكور، إنه يعمل في تلك المهنة منذ سنوات طويلة، وكان يمتلك مصنع متطور في مدينة غزة، لكن جرى تدمريه خلال العدوان، ثم نزح إلى مدينة رفح بداية الحرب، وأقام مصنع آخر هناك، لكن للأسف هذا المصنع لاقى نفس المصير بعد اجتياح رفح، وقد خسر جراء ذلك مبالع كبيرة، وأجبر على النزوح في مواصي خان يونس.
بدأ الريفي بإنشاء مصنعه الثالث، وقد بدأ من الصفر، بعد أن فقد كل شيء، حيث استطاع توفير قطعة أرض، وأنشأ عليها المصنع المتواضع، وزوده بالمعدات الضرورية للعمل، وماكينة تغليف صغيرة، ويعمل فيه أكثر من 30 عامل في ورديين.
وتمر عملية صنع "حلوى الحلقوم" بعدة مراحل، تبدأ بطبخ المكونات على النار، حيث يعتمد الريفي على وسائل بدائية في إشعال النار اسفل "قدور كبيرة"، معتمداً على الخشب، لتجهيز الحلقوم في عمليته الأولى، ثم تنقل المكونات لمرحلة الوضع في "صواني" معدنية مغمورة بمسوق النشا، قبل إضافة الكثير من المكسرات لها، ثم تتوجه إلى مرحلة التقطيع، وهي مرحة يدوية، يعمل فيها فتية وشبان، إذ يقطعون الحلقوم لقطع صغيرة، وبعد ذلك على ماكينة تغليف، استطاع الفيري توفيرها بصعوبة، وهناك يتم وضع كل حبة في مغلف نايلون منفرد.
ويحرص الريفي على النظافة في مصنعه، إذ يواصل التنبيه على العمال بارتداء قفازات يد، وقبعات من النايلون على الرأس، وأن تكون العملية نظيفة في كافة مراحلها.
وأكد الريفي أنه يعمل في ظل وضع صعب، وندرة وشح في مدخلات الإنتاج، خاصة بعد التضييق الأخير، عقب الحرب على إيران، وتراجع إدخال السلع للقطاع.
ونبه الريفي إلى أنه يحتفظ بمخزون صغير من المواد الخام ومدخلات الإنتاج، وهي عبارة عن سكر، ونشا، ومكسرات، ومستلزمات أخرى، ما يمكنه من العمل لفترة ليست طويلة، لضمان استمرار الإنتاج خلال فترة العيد.
وأوضح أن شهر رمضان وعيد الفطر هي مناسبة جميلة، يحرص الناس فيها على جلب "حلوى الحلقوم"، فحتى في ظل حياة الخيام، والوضع البائس يجتهد الناس لإكرام ضيوفهم، وصنع البهجة لعائلاتهم، وهو يعمل على توفير ما يحتاجه السوق من تلك الحلوى.
وأشار إلى أنه حرص على أن تكون أسعار "حلوى الحلقوم"، في متناول الناس، خاصة في ظل الأوضاع الصعبة، موضحاً أنه يصنع حلوى تنافس في جودتها وأسعارها الأنواع المستوردة، ويأمل أن يستمر في العمل في مصنعه المتواضع، الذي يوفر مصدر رزق لأكثر من 30 عائلة، ويعتمد عليه باعة، وألا يضطر لتوقف كما حدث في ظل المجاعة الأخيرة، التي أغلق الاحتلال المعابر خلالها، ومنع وصول السلع ومدخلات الإنتاج.
وأعرب الريفي عن أمله بأن يأتي العام المقبل وقد انزاحت هذه الغمة، وعادت الصناعات الغذائية في القطاع كما كانت في السابق، مؤكداً أن ثمة خبرة وإرادة لدى الكثير من الحرفيين والمستثمرين، تمكنهم من إعادة صناعات كثيرة دمرها الاحتلال، حاول توافرت الإمكانات لذلك.