أيقونة العملات

العملات

الدولار اليوم
اليورو اليوم
أيقونة الطقس

الطقس

أيقونة الإشعارات

اشعارات

تقارير بوست

مساعي إسرائيلية لفرض الاقتصاد الرقمي في غزة والسيولة تختفي تدريجيًا

26 فبراير 2026 - بقلم: محمد الجمل

بات واضحاً أن رفض الاحتلال إدخال السيولة النقدية إلى قطاع غزة، أو حتى استبدال العملات التالفة، لم يعد مجرد إجراء عقابي مرتبط بالحرب، بل هو تحول واضح في سياسة نقدية جديدة في غزة، تهدف إلى تحكم الاحتلال في كل مقومات الاقتصاد الغزي.

فرض الاقتصاد الرقمي

ووفق خبراء وحقوقيون، فإن ثمة مخططات إسرائيلية أمريكية تهدف لفرض انتقال قسري إلى نموذج اقتصاد رقمي في غزة، تمسك مفاتيحه "إسرائيل".

من جهته أكد "المرصد الأورومتوسطي لحقوق الانسان"، أن هذه المخططات تهدف لسحب كافة أشكال السيولة النقدية من قطاع غزة، وإعادة تشكيل غزة كحيّز منزوع السيادة المالية.

ووفق "المرصد الأورومتوسطي" فإن "المحافظ الرقمية" في قطاع غزة قد تستخدم كأداة لبرمجة السيطرة والتهجير، وجيل جديد من أسلحة الإبادة الجماعية الصامتة في غزة، مشيراً إلى أن المخططات تحوّل الوصول إلى المال والمعاملات الأساسية من حق أصيل إلى امتياز قابل للسحب، وترهن مقومات الحياة لقرارات أمنية.

وقال المرصد: "أي بنية رقمية تُفرض تحت الاحتلال ستتحول إلى أداة تحكم وإخضاع جماعي وابتزاز ضد الفلسطينيين، وبخاصة الصحافيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان".

وأكد المرصد أن حصر تطوير خدمات الإنترنت المتقدمة في مناطق محددة مثل ما يسمى "رفح الجديدة" يعزز المخاوف بشأن استخدام التكنولوجيا كوسيلة ضغط لإعادة تشكيل التوزيع السكاني.

وشدد المرصد على أنه من الضروري حظر ربط أي خدمات مالية أو مساعدات إنسانية أو وصول للاحتياجات الأساسية بأي ترتيبات تحقق "بيومتري" أو تصنيفات أمنية أو اشتراطات سياسية.

كما أوضح المرصد أنه لا ينبغي فرض أي ترتيبات مالية أو رقمية على الفلسطينيين تحت الاحتلال، ومن دون سيادة فلسطينية فعلية وتمثيل مدني مستقل وآليات رقابة وطعن ملزمة.

وأكد المرصد على أن أي منظومة رقمية يجب أن تخضع لتدقيق مستقل منتظم في الخصوصية والأمن السيبراني، والأثر على حقوق الإنسان.

تناقص النقد في غزة

لوحظ حدوث تناقص كبير في النقد المتوفر في القطاع، سواء عملات ورقية أو معدنية، مع تفاقم مشكلة "الفكة"، جراء اختفاء القطع النقدية الصغيرة، لاسيما من فئات "1 و2 و5 شيكل".

وبات الحصول على ورقة نقدية صالحة للتداول معضلة يومية تفوق في صعوبتها البحث عن السلع الأساسية.

ووفق خبراء ومتابعون فإن تناقص النقد في قطاع غزة يعود لعدة أسباب، الأول اهتراء وتلف النقود جراء طول فترة التداول، مع استمرار منع إسرائيل وصول نقد جديد للقطاع، أو حتى استبدال العملات التالفة.

كما يُعتقد بأن ثمة سبب آخر وهو شراء السلع والبضائع من خارج القطاع في بعض الأوقات بواسطة الأموال "كاش"، وهذا أدى إلى خروج كميات كبيرة من أموال القطاع دون عودة، وعزز الأزمة.

وأكد باعة وتجار أن كمية الأموال التي يتم تداولها في السوق في تناقص مستمر، خاصة الفئات المعدنية، موضحين أن غالبية الأوراق النقدية خاصة من فئتي 50 و20 شيكل تلفت، ولم تعد صالحة للتداول، والباعة في أغلب الأحيان يعتذرون عن قبولها من المواطنين.

وأشار باعة إلى أن العملات النقدية الصغيرة باتت نادرة، ولا أحد يعرف أين تختفي، وكأن ثمة أشخاص أو جهات يجمعونها من الأسواق.

وأوضح باعة أن الدفع النقدي الالكتروني، من خلال الحسابات البنكية، أو من خلال المحافظ الالكترونية حل جزء كبير من المشكلة، لكن لا يمكن الاستغناء عن النقد بصورة كاملة، لذلك هناك أهمية كبيرة لإدخال العملات النقدية للقطاع.

سيطرة مالية اسرائيلية

في حين أكد الخبير في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر، أنه ورغم بعض المحاسن للتحول إلى الاقتصاد الرقمي والدفع الالكتروني، إلا ان هذا النظام له الكثير من المساوئ.

ووفق أبو قمر فإن اهم هذه المساوئ أن الاحتلال يجبر المواطنين على التعامل المالي الإلكتروني في ظل بيئة اقتصادية هشة، تفتقر للثقافة المالية وتعريف الناس بكيفية التعامل مع المحافظ الالكترونية وإدارة الحسابات البنكية، ما يعرضهم للنصب والاحتيال.

كما أن هناك افتقار للبيئة التكنلوجية، وخدمات الانترنت، ونقص في الكهرباء، التي تسمح بعمليات تحويل مالي آمنة، إضافة لأن هناك خلل مستمر في المحافظ الالكترونية والحسابات البنكية، يوقفها لساعات.

وأكد أبو قمر لـ"فلسطين بوست"، أن الأخطر من ذلك كله، يتمثل في أن التحول لنظام الدفع المالي الالكتروني،يتيح لإسرائيل احكام سيطرتها بشكل كامل على هذه العملية، فإسرائيل تريد من وراء ذلك أن تعرف كل صغيرة وكبيرة في الجانب المالي بغزة، وبالتالي إحكام السيطرة المالية على القطاع، وتقييد الحريات المالية للمواطنين.

وأوضح أن إسرائيل تسعى حالياً لإنهاء الكاش من القطاع، ودفع المواطنين للتحول المالي الالكتروني.

ماذا يعني تدشين عملة رقمية لغزة؟

كشفت مصادر مطلعة أن جهات مشاركة في "مجلس السلام"، الذي يترأسه الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، تدرس اقتراح إنشاء عملة رقمية مستقرة مرتبطة بالدولار الأمريكي، في إطار خطة لإعادة تنشيط الاقتصاد في قطاع غزة بعد الحرب والانهيار المالي.

وبحسب التقارير يأتي المقترح في ظل أزمة سيولة حادة وتضرر البنية المصرفية، ما دفع القائمين على المبادرة إلى البحث عن بدائل رقمية لتسهيل المعاملات المالية والتجارية، خاصة مع القيود المفروضة على حركة النقد، وصعوبة وصول السكان إلى الخدمات البنكية.

ووفق المحلل والخير الاقتصادي أحمد أبو قمر، فإن تدشين عملة رقمية لقطاع غزة ليست خطوة تقنية محايدة، بل هي مشروع اقتصادي سياسي يعيد تعريف شكل السيطرة على المجال المالي، فهناك تصورات تُطرح ضمن سياق ترتيبات

ما بعد الحرب تقوم على إعادة تشكيل غزة كحيّز منزوع السيادة النقدية، وذلك عبر تقليص استخدام النقد الورقي والدفع نحو نموذج "اقتصاد رقمي" تتحكم ببنيته التحتية أطراف خارجية تخدم الرؤية الإسرائيلية.

وبحسب أبو قمر فإن إسرائيل طرحت عدة أفكار خلال فترة حرب الإبادة على غزة للتحكم المالي المطلق في غزة، كخطة وزير خارجية الاحتلال، بإلغاء النقد في غزة، ومحاولات مستمرة حتى الآن لمنع إدخال الكاش، وفقدان الثقة بالعملات الورقية، مع تغييب واضح للدور الفعلي لسلطة النقد والبنوك.

وأكد أبو قمر أن تدشين عملة رقمية يعني نقل النشاط المالي من مساحة الحق بامتلاك المال والتصرف به بحرية، إلى مساحة التحكم التشغيلي والأمني، حيث تصبح كل معاملة قابلة للرصد والتتبع والبرمجة، فالعملة الرقمية إذا لم تخضع لسيادة فلسطينية كاملة على البيانات والخوادم وأنظمة الدفع، يمكن أن تتحول من أداة تسهيل إلى أداة ضبط جماعي.

وأشار إلى أن الخطر لا يكمن فقط في القدرة على "منع المال"، بل في قابلية تجميد المحافظ الرقمية أو تقييدها بقرار إداري واحد، أو وسم أفراد بتصنيفات أمنية تؤدي إلى تعطيل وصولهم لأموالهم، عندها يصبح كل شيء رهن إشارة رقمية قابلة للتعليق.

وقال أبو قمر: "الأبعد من ذلك أن الاقتصاد نفسه قد يُعاد تشكيله كشبكة شروط، بحيث تُربط الخدمات الأساسية والمساعدات والرواتب بدرجات الامتثال السياسي أو الأمني، وبهذا تتحول التكنولوجيا المالية من وسيلة تحديث إلى بنية تصنيف، تزيد من حالة التبعية الاقتصادية، وتؤسس لمرحلة جديدة من هندسة السيطرة على السكان.