منذ بداية حرب الإبادة على قطاع غزة، قبل نحو 30 شهراً، وضع الاحتلال تهجير سكان قطاع غزة كهدف أساسي، وسعى لتحقيقه بشتى الوسائل، لكن صمود أهل غزة، ورفض فكرة التهجير، كانت سداً منيعاً أمام تحقيق طموحات الاحتلال.
ورغم ذلك مازالت معركة التهجير مستعرة، فالاحتلال يسعى لإيجاد مكان يمكن أن يستقبل القطاع، ويعمل على تحويل غزة إلى مكان غير قابل للحياة، وخلق بيئة طاردة، عبر تدمير كل مقومات الحياة، من أجل إجبار المواطنين على الهجرة.
العائدون يفشلون خطط التهجير
لكن ومنذ فتح المعبر في الثاني من شباط الجاري، حدث ما لم يكن متوقعاً، فقد تهافت مواطنون كانوا في مصر على القدوم للقطاع، رغم معرفتهم المسبقة بالدمار، وحياة الخيام، وصعوبة المعيشة في القطاع.
ورغم الأعداد المحدودة التي وصلت مؤخراً إلى قطاع غزة، إلا أن جهات حكومية في القطاع، أكدت أن ثمة 80 ألف مواطن يتواجدون في مصر، ويريدون العودة للقطاع.
ووفق عائدون تعرضوا للاستجواب الإسرائيلي والتحقيق المهين لدى وصولهم قطاع غزة، فإن ضباط مخابرات الاحتلال وجهوا لهم شتائم، وعبارات نابية لأنهم قرروا العودة للقطاع، وعُرض على بعضهم أموال كي يعودوا من حيث أتووا، أو يهاجروا من خلال معابر إسرائيلية، شريطة التوقيع على تعهد بعدم العودة للقطاع.
وأكد عائدون أنهم فضلوا العودة للقطاع رغم الدمار، وحياة الخيام، والعدوان، فكل ما يواجهونه في غزة من وجهة نظرهم، أهون ألف مرة من حياة الغربة.
وقالت المواطنة فداء عمران، أحد العائدين من مصر إن الخدمات متوفرة في الخارج، إلا أنه لا شيء يضاهي شعور العودة للوطن، والتواجد بين الأهل والأحباب، موضحة أنها انتظرت لحظة العودة بفارغ الصبر، وأنها نسيت المعاناة التي مرت بها أثناء رحلة العودة بمجرد أن وطأت قدماها أرض غزة.
وأوضح بعض العائدين أن حلم التهجير الذي يراود الاحتلال لن يحدث، وأن من غادر سيعود، ولن ينجح الاحتلال بفرض إرادته على الشعب الفلسطيني، وسيواجه تمسك بالأرض ورفض الهجرة.
بينما أكد مواطنون أن من صمد في مدينة غزة وشمال القطاع، تحت القصف والغارات، ورفضوا النزوح باتجاه جنوب القطاع، لن يهاجروا من غزة مهما حدث، وأوهام إسرائيل بتهجير سكان القطاع منذ خمسينيات القرن الماضي، فشلت وستفشل، ولن يترك الفلسطينيون أرضهم مهما حدث.
وبحسب مراقبين، فإن الإصرار على العودة للقطاع، خلق حالة من الإحباط لدى صناع القرار في إسرائيل، الذين أعلنوا بمناسبات عديدة سعيهم لتهجير الفلسطينيين وإفراغ قطاع غزة.
مخططات فشلت
ويرى المحلل السياسي والكاتب السياسي إياد القرا أن مجرد وصول أول عائد إلى غزة هو إفشال لمشروع التهجير الذي سعت إليه إسرائيل، وما زالت.
وأكد القرا أن ثمة بُعدين أساسيين يفسران مشهد عودة العالقين، أحدهما إنساني، والآخر وطني وسياسي، فالبعد الإنساني يتمثل في الحاجة إلى جمع شمل العائلات التي فرقتها الحرب، فضلاً عن الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعاني منها من خرجوا من غزة، ومعظمهم مرضى وجرحى بحاجة لرعاية خاصة.
أما البعد الوطني، فيعتبره حاسما في قرار العودة، فـ "الفلسطيني يشعر أنه جزء من مشروع وطني في مواجهة مخططات التهجير الإسرائيلية، وهناك وعي لدى مختلف شرائح الفلسطينيين".
وأكد محللون ومراقبون، من بينهم إسرائيليون، أن "إسرائيل منزعجة جداً من إصرار الفلسطينيين على العودة"، و"يتبين ذلك من خلال تعرض العائدين لانتهاكات وتنكيل خلال التحقيق معهم، تعكس إحباطاً لدى الجيش من إصرارهم على العودة إلى الدمار والخيام".
هكذا خطط الاحتلال للتهجير
من جهته أكد المحلل السياسي طلال أبو ركبة أن الهدف الأساسي من حرب الإبادة والتجويع، هو دفع أكبر عدد من السكان للهجرة.
وأكد أبو ركبة أن الهجرة وفق المنظور الإسرائيلي تقوم على ثلاثة عوامل، الأولى التهيئة النفسية، من خلال سلسلة من الممارسات التي ترسخ في النفس بأن غزة منطقة غير قابلة للحياة، وبالتالي تحول فكرة الهجرة لفكرة مقبولة، والأمر الثاني هي المعابر والمنافذ وهي الآن تستخدم معبر كرم أبو سالم ومعبر رفح لمغادرة الغزيين، وتصر على أن يكون عدد المغادرين أكبر من القادمين، وتعمل على خلق تسهيلات كبيرة أمام المغادرين، بما يشمل استخدام منافذ إسرائيلية مستقبلا.
أما المحور الثالث وهو يشكل معضلة لإسرائيل ويتمثل في الجهة التي يمكن للفلسطينيين الهجرة إليها، خاصة أنه لم تعلن أي دولة باستثناء دولة الصومال الجديدة استعدادها لاستقبال فلسطيني غزة.
تحذيرات من مخططات تهجير
حذرت الأمم المتحدة من مخاطر محتملة لتطهير عرقي في قطاع غزة والضفة الغربية، نتيجة الهجمات الإسرائيلية المكثفة وعمليات التهجير القسري للمدنيين الفلسطينيين.
وأوضحت المنظمة الدولية أن التدمير الممنهج لأحياء كاملة، إلى جانب منع وصول المساعدات الإنسانية، يشير إلى محاولات لتغيير ديموغرافي دائم في قطاع غزة.
وأشارت الأمم المتحدة إلى أن استمرار عمليات النقل القسري والتهجير الدائم يفاقم المخاطر على التركيبة السكانية، ويثير مخاوف جدية بشأن ارتكاب انتهاكات للقانون الدولي الإنساني، داعية المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون قيود.
بينما أعرب "مركز غزة لحقوق الإنسان"، عن بالغ إدانته لاستمرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي في اتباع سياسة ممنهجة، تهدف إلى تحويل قطاع غزة إلى حيز جغرافي غير قابل للحياة.
وأوضح المركز أن ذلك يتم عبر الاستهداف المباشر والشرس لمنظومة العمل الإنساني، ومواصلة القصف واسع النطاق، إلى جانب ارتكاب أفعال ترقى إلى جريمة الإبادة الجماعية بموجب أحكام القانون الدولي.
وشدد المركز على أن ما يجري في غزة لا يمكن اعتباره نتيجة عرضية للعمليات العسكرية، بل يندرج ضمن سياسة قائمة على الإفراغ القسري والتجويع والإرهاب المنظم بحق السكان المدنيين، بما يمهد لفرض وقائع ديمغرافية وجغرافية جديدة على حساب الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني.
وطالب المركز المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لوقف الانتهاكات، وضمان حماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عنها وفقاً للقانون الدولي.