في مثل هذا اليوم، توقّف العالم لبرهة، كأن الزمن قد تجمّد أمام المشهد. تسمرّت العيون في الشاشات، مذهولة لا تكاد تصدّق ما ترى. وعلت أصوات التهليل في البيوت والشوارع، في مثل هذا اليوم انهارت معادلة ظنّها المطبعون والخائنون أبدية: تهاوت أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، وتبدّدت الهالة التي طالما أحاطت به.
لحظات، بل لنقل 6 ساعات أعادت رسم ملامح الوعي الإنساني تجاه القوة والهيمنة والظلم والغطرسة.
أما المتحدث عن ترسانات جبوش العرب والمسلمين، فليعلم أنّها لم تُخلق يوما لتُدافع عن فلسطين ولا لتردّ عدوانا، بل وُجّهت منذ عقود إلى صدور شعوبها، تُطفئ بها أنفاس الأحرار وتكبح بها يقظة وعي الشعوب، هذه الأنظمة ليست سوى حواشي في كتاب التاريخ، تتشابه في موقفها مع الاحتلال ذاته حد التطابق: حصارا وقصفا وتحريضا وتواطؤا، حتى غدت فلسطين في نظرهم الظالمة لا المظلومة. أمّا الشهداء، فهم فوق كل الحسابات، لا يُقاسون بعددٍ ولا يُختزلون بخسائر، لأنّ الشهادة في ميزان الإيمان والإسلام الذي ننتمي إليه، اصطفاء إلهي وتكريم ربّاني، قال تعالى: «إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ».
فهؤلاء الشهداء ليسوا أرقاما في تقارير عابرة، بل هم شُهود على خذلان الأمة، وبذورُ نهضتها القادمة بإذن الله.
ولأولئك المنافقين أو الجاهلين الذين يتساءلون ماذا استفدنا من هذه الحرب؟! نقول لهم: نألم نعم ولكنهم يألمون كما نألم، وأصابهم خلال الحرب من الخسائر ما لم يصبهم منذ نشأة عصاباتهم في العشرينيات حتى اليوم، ماديا ومعنويا.
هذا ناموس الله في كونه وخلقه وعباده.
هل سأل أصحاب الأخدود لماذا نحرق أحياء؟ ماذا سنستفيد؟ هل سألت ماشطة ابنة فرعون وهي ترى عظام أطفالها تطفو فوق قدر الزيت هذا السؤال؟ هل طرحته سمية بنت خياط، وأبو جهل يطعنها في عفتها؟ هل سأله الحسين بن علي وهو يضحي بماله ونفسه وولده في سبيل كلمة الحق؟.
هذه حرب محصت الناس جميعا فأظهر المنافقون في غزة نفاقهم، جهارا نهارا في عروض عسكرية وتفاخروا بتعاونهم مع الاحتلال، وأظهر الكارهون كرههم، وأظهر الأعداء عداوتهم.
بتنا نعرف الصديق من العدو والمؤمن من المنافق الحر من العبد، حرب كاشفة فاضحة لم تكن الأولى بين الإيمان والكفر بين الحق والباطل بين الأحرار والظالمين ولن تكون الأخيرة.