لم يترك جيش الاحتلال أية وسيلة أو طريقة إلا واستخدمها ضد مدينة غزة، التي تتعرض لعدوان بري وجوي متصاعد، لاسيما الأحياء الشمالية والجنوبية للمدينة.
ومؤخراً لجأ الاحتلال لتكثيف استخدام "الأحزمة النارية"، في مدينة غزة، خاصة في مناطق "الشيخ رضوان، والنصر، والنفق، والدرج، وحي تل الهوا"، التي تقع شمال وشرق وجنوب المدينة.
ووفق مصادر محلية وشهود عيان فإن طائرات الاحتلال تشن "أحزمة نارية"، على مدار الساعة، ما ينشر الخوف والرعب في صفوف المواطنين، وبعض هذه الأحزمة تستهدف مربعات سكنية، كما حدث مؤخراً في مخيم الشاطئ، وحي الدرج، حيث تسبب هذا النوع من الغارات في انهيار عدد كبير من المنازل على رؤوس قاطنيها، ودفون الناس تحت الركام.
رعب وموت
وقال المواطن ياسر عابد إنه نزخ من مدينة غزة بسبب الأحزمة النارية، التي أدخلت الرعب في قلوب أفراد عائلته خاصة الأطفال، لاسيما إن كانت قريبة من موقع تواجدهم.
وأكد أنه في السابق كانت طائرات الاحتلال تشن حزام ناري واحد كل يوم أو كل يومين، أما الآن فيتم تنفيذ أكثر من 10 أحزمة نارية في اليوم الواحد، والأمر أصبح مرعب ولا يمكن احتماله.
والحزام الناري هو عبارة عن غارات متتابعة تُنفذ بواسطة سرب من الطائرات التي تسقط حمولتها من القنابل والصواريخ بشكل متزامن في منطقة واحدة، حيث يُسمع دوي انفجارات كبيرة ومتلاحقة لا يفصل بينها سوى ثواني معدودة، وقد بدأ تنفيذ هذا الشكل من الغارات في عدوان الاحتلال على القطاع عام 2021.
بينما يقول المواطن إبراهيم حمدان إن الاحتلال يستخدم الأحزمة النارية بطريقة مقصودة، وهو يُدرك مدى تأثيرها على الناس، لذلك باتت تعتبر وسيلة من وسائل الضغط المستمرة على المواطنين في مدينة غزة، بهدف دفعهم للنزوح، من أجل تفريغ مدينة غزة من السكان.
وأوضح أن جميع سكان مدينة غزة باتوا عرضة للموت بسبب هذه الأحزمة، التي باتت مؤخراً تستهدف مربعات سكنية كاملة وبدون سابق إنذار، وهذا الأمر غاية في الخطورة، موضحاً أن الناس تنزح من منطقة لأخرى فراراً من الموت والغارات، ولا أحد في مأمن من العدوان غير المسبوق.
طريقة للتدمير
بينما أكد مواطنون من سكان المدينة، أن "الأحزمة النارية"، هي وسيلة الاحتلال لتدمير الأحياء المكتظة في مدينة غزة، خاصة في المخيمات، إذ شهدت بعض الأحياء أكثر من حزام ناري، أدى إلى وقوع دمار كبير.
وأكد المواطن محمود راضي وقد نزح من مدينة غزة مؤخراً، أن كل حزام ناري تنفذه الطائرات ضد المدينة، ينتج عنه دمار كبير، فأحد الاحزمة النارية التي نفذت ضد حي الشيخ رضوان، جرى خلاله اسقاط 12 قنبلة كبيرة على مربع سكني، ما أدى إلى مسح عشرات البيوت وتدميرها بشكل كلي.
وأوضح راضي أن الأبراج العالية يتم تدميرها بواسطة أحزمة نارية تشارك فيها أكثر من طائرة، حيث يتم اسقاط عدد من القنابل على البرج دفعة واحدة، فتتوالى الانفجارات، التي يتلوها انهيار للبرج على مرأى ومسمع العالم.
وأكد أن الاحتلال يستخدم حالياً ثلاث وسائل لتدمير مدينة غزة، الأول الأحزمة النارية، وهذا أسلوب خطير في التدمير الواسع، وكذلك الروبوتات المفخخة، التي يتم وضعها وسط المنازل والمربعات السكنية بهدف تدميرها، والطريقة الثالثة هي استخدام الجرافات، التي تدمر المنازل، وتخرب البنية التحتية، وتحدث حفر عميقة في المدينة.
وأوضح أن كثافة الغارات واسقاط مئات القنابل الأميركية من الطائرات على مدينة غزة يومياً، يشير إلى مدى الدعم الأميركي اللامحدود للاحتلال في تنفيذ حرب الإبادة ضد سكان القطاع، وبالتالي تعتبر أميركا شريك أساسي في هذه الإبادة.
وسبق وأكدت عدة مصادر في جيش الاحتلال، أن العملية العسكرية في مدينة غزة تسير بشكل بطيء وتدريجي، وسيتم خلالها تدمير آلاف المنازل، وأن الطائرات الحربية تُشارك بفاعلية في تدمير المدينة.
انقاذ الطفلة ميرا مسعود
وتسببت الاحزمة النارية في ارتكاب مجازر كبيرة، إذ استشهد بسببها مئات المواطنين، ومازال العشرات محتجزين تحت الأنقاض، يُعتقد أنهم فارقوا الحياة.
الطفلة ميرا مسعود كُتب لها عمراً جديداً، بعد أن تعرض المربع السكني الذي تقيم فيه في حي الدرج بمدينة غزة لحزام ناري عنيف، أدى الى سقوط عشرات الشهداء والجرحى، واحتجازها تحت الأنقاض لساعات طويلة.
وبفضل جهود وإصرار عناصر الدفاع المدني، اللذين رفضوا تركها تحت الأنقاض، وعملوا لساعات طويلة حتى تم إنقاذها، فبينما ينقل الدفاع المدني الضحايا من محيط المنازل المستهدفة، وصلوا للطفلة وهي ماتزال حية، قابعة تحت أطنان من الركام، وكانت عملية إخراجها معقدة، وشبه مستحيلة، خاصة في ظل خطورة المنطقة الواقعة في حي الدرج، وتوالي سقوط القذائف والصواريخ عليها.
وأكد الدفاع المدني في القطاع، أنه وبعد 40 ساعة من العمل، تمكنت طواقم الدفاع من إنقاذ الطفلة ميرا مسعود من تحت أنقاض منزلها الذي دمرته طائرات الاحتلال في حي الدرج وسط مدينة غزة.
وكادت الطفلة أن تنهار، جراء قلة الطعام والغذاء لساعات طويلة، إذ توجهت مركبة تابعة للدفاع المدني إلى المستشفى العربي الأهلي "المعمداني"، وجرى استدعاء طبيب إلى موقع وجود الفتاة، وبالكاد استطاعوا الوصول ليدها، وعمل الطبيب على تركيب محلول مغذي للطفلة، لتبقى على قيد الحياة، إلى حين يتم انتشالها.
ووفق مصادر مطلعة، فقد ساعد المحلول الطفلة في البقاء حية، ومنحها بعض الطاقة، إذ انقسم أفراد الدفاع المدني الى قسمين، الأول بقي إلى جوار الطفلة، لتهدئتها وطمأنتها، وحمايتها من أية انهيارات قد تحدث، بينما انهمك باقي أعضاء الفريق بتكسير وتحطيم كتل الخرسانة، وإزالة الركام من حولها، وتخفيف الضغط على جسدها، كي تتنفس بشكل طبيعي، وجرى إيصال أنبوب تنفس أكثر من مرة للطفلة.
وبعد عمل مستمر، وصلوا للطفلة، وجرى تحريرها من تحت الركام، وانتشالها، وكانت تعاني إصابات وجروح في عدة أماكن من جسدها، وجرى نقلها إلى المستشفى لتلقي العلاج.
ولم تكن الطفلة مسعود الوحيدة التي تمكن عناصر الدفاع المدني من انتشالها حية من تحت الركام خلال الأسبوعين الماضيين، إذ تمكنوا من إخراج العديد من الأحياء ممن كانوا عالقين تحت أنقاض منازل قصفت، رغم نقص المعدات، حيث كانوا يعملون بأدوات بسيطة، مثل الإزميل والمطرقة.