دخل العدوات الإسرائيلي المُستمر على مدينة غزة مرحلة جديدة، أكثر خطورة، بعد أن شهدت المدينة أعنف موجة من الغارات الجوية، يرافقها قصف مدفعي وجوي عنيف، وتفجير عشرات الروبوتات المفخخة.
وأكدت المصادر وشهود عيان، أن عشرات الطائرات المُسيرة من مختلف الأحجام والأنواع، نفذت إطباق جوي كامل على وسط وغرب وشمال وجنوب المدينة، حيث سادت أجواء من القلق والخوف أواسط المواطنين، اللذين وصفوا الليلة الماضية بالأصعب منذ بدء العمليات العسكرية الحالية.
بينما أكد مواطنون من سكان جنوب ووسط القطاع، أنه ولأول مرة يسمع صدى ودوي الانفجارات من مدينة غزة، رغم بعد المسافة.
وخلال الساعات الماضية شهدت مدينة غزة أكثر من مجزرة، أكبرها قصف مربعين سكنيين كبيرن في حيي الشيخ رضوان، والدرج شمال وشرق مدينة غزة، ما تسبب بسقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى، إضافة لأكثر من 60 مفقود تحت الركام، بينما يواصل الاحتلال حرق وتدمير المدينة على رؤوس من تبقى فيها.
تقدم من ثلاثة محاور
ومنذ ساعات فجر اليوم، بدأ جيش الاحتلال يتقدم باتجاه عمق مدينة غزة من ثلاثة محاور رئيسية، الأول الشيخ رضوان شمال المدينة حيث تتعرض منطقة "الجسر، والعيون"، لقصف مدفعي وجوي، وتفجير روبوتات مفخخة، توطئة للوصول لتلك المناطق.
والمحور الثاني وهو محور "السودانية" شمال المحافظة أيضاً، حيث بدأت الدبابات بالتحرك تجاه مناطق "الكرامة، والمخابرات، حتى المقوسي والشاطئ"،
أما المحور الثالث وانطلق من جنوب مدينة غزة، وتحديداً باتجاه حي تل الهوا، حيث تتقدم الدبابات والجرافات ببطء باتجاه "دوار الخور ومفترق الدحدوح.
ويهيئ الاحتلال المناطق التي يتقدم ناحيتها، عير عملية تدمير كاملة للمنازل، والبنية التحتية، مستخدماً في ذلك قصف مدفعي وجوي عنيف ومتواصل، وتفجير روبوتات مفخخة بشكل متتابع، كما يحدث في حي تل الهوا جنوب مدينة غزة، تمهيداً لوصول الدبابات إليها.
فيما تستمر عمليات القصف الجوي والمدفعي وتحليق مكثف لطائرات الاباتشي مع إطلاق نار مستمر على جميع مناطق مدينة غزة
وأمام اشتداد القصف اضطر سكان مناطق شمال غرب غزة (الكرامة، المخابرات، الامن العام) للإخلاء حتى محيط بهلول والمقوسي شرقاً والشاطئ الشمالي جنوباً حيث يتواجد الأهالي حتى الآن، بينما نزح جزء من سكان حي تل الهوا جنوباً باتجاه مواصي خان يونس ومحافظة وسط القطاع، وآخرون انتقلوا لغرب مدينة غزة.
ورغم نزوح عدد كبير من السكان، إلا أم مدينة غزة مازالت تغص بمئات الاف المواطنين في جميع أحيائها المتبقية من شارع صلاح الدين شرقاً، مروراً بمدخل الشجاعية، والزيتون، والصبرة، والدرج، وجزء من غرب التفاح، وتزداد نسبة الاكتظاظ في الشاطئ والنصر والرمال وتل الهوا والشيخ عجلين.
وأعلن جيش الاحتلال بأن الفرقتين 162 و98 النظاميتان تقودان العملية في غرب مدينة غزة، في حين أكد مواطنون مشاهدة حشود كبيرة من الدبابات والآليات حول مدينة عزة، وفي احبائها الشمالية والجنوبية.
قنابل مُدمرة
لجأ الاحتلال مؤخراً لاستخدام أعتى أسلحته لتنفيذ مهمة تدمير مدينة غزة، خاصة مبانيها المرتفعة، حيث شكلت الطائرات الحربية ما يشبه الجسر الجوي، لنقل القنابل والصواريخ من قواعدها داخل إسرائيل، ومن ثم اسقاطها على مباني مدينة غزة، في أكبر عملية تدمير جوية يشهدها القطاع منذ بداية العدوان الحالي.
ووفق ما رصده مواطنون من سكان المدينة، فإن الغارات الجوية المتتابعة على المدينة، يتم خلالها استخدام أسلحة فتاكة، وقنابل كبيرة، بعضها تُحدث انفجارات غير مسبوقة، وتنشر الدخان والغبار والشظايا على مسافات كبيرة.
وأكد مواطنون أنه وجراء استخدام قنابل ثقيلة، تنهار الأبراج والعمارات العالية في ثواني، وكأنها من ورق، وهذا دليل على ضخامة تلك القنابل.
من جهته ذكر المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة محمود بصل، أن ما يتساقط على غزة ليس مجرد صواريخ، بل "براميل من نار وحمم بركانية مدمّرة تحرق الأرض وما عليها"، موضحاً أن المدينة تُدمر بصورة غير مسبوقة، وأبنيتها تنهار تباعاً.
وأكد المواطن ناصر رجب، ونزح حديثاً من مدينة غزة باتجاه جنوب القطاع، إن ما يحدث في مدينة غزة أمر غير مسبوق، فالغارات والأحزمة النارية لا تتوقف على مدار الساعة، ووميض انفجار القنابل يخطف الأبصار، بينما تُشاهد وسحابات الدخان من جميع أنحاء مدينة غزة.
وأذكر رجب أن الناس يفرون من حي إلى حي ومن مكان إلى مكان، ولا أحد يعرف متى وأين ستكون الغارة المقبلة، وأينما سار الشخص في شوارع المدينة، وجد أكوام الركام، الناجمة عن أبراج ومنازل جرى تدميرها حديثاً.
ووفق مصادر مطلعة فإن أغلب ما يتم اسقاطه على المنازل والبنايات المرتفعة هي قنابل مسقطة جواً من طراز MK83 وزنها حوالي 750 كيلو 3/4 طن، وقنبلة من نفس الطراز يُطلق عليها MK84 والأخيرة وزنها 1000 كيلو جرام "1 طن"، هي ضمن سلسلة قنابل أميركية شاع استخدامها في غزة خلال الحرب.
تدمير تاريخ غزة
مازالت المعالم الأثرية والتاريخية هدفاً لغارات الاحتلال، التي عملت على تدمير كل مبنى شاهداً على تاريخ المدينة وحضارتها القديمة.
وركزت الغارات على قصف مساجد قديمة، وبنايات يمتد تاريخها لعقود مضت، وحتى بعض كنائس غزة تعرضت للقصف، بينما جرى تدمير مباني تعليمية تشتهر فيها مدينة غزة، وعلى رأسها مباني تضم قاعات دراسية ومختبرات علمية في الجامعة الإسلامية بمدينة غزة.
ووفق مصادر محلية وشهود عيان، فإن البلدة القديمة بمدينة غزة، والتي تضم أحياء تاريخية، ومباني عريقة، تعرضت لغارات عنيفة في الأيام الماضية، حيث جرى تدمير معظمها، بينما مازالت الغارات والقصف مستمر.
وبحسب "المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان"، فإن العدوان الإسرائيلي الواسع على مدينة غزة يُنذر بمحو ما تبقّى من معالمها الأثرية وتراثها المادي واللامادي محوًا كاملًا، حيث يتعمد الاحتلال استهداف المواقع التاريخية، والأثرية، والدينية، والثقافية، في إطار استراتيجية استعمارية استيطانية ممتدة.
ووفق المرصد فإن العدوان المتصاعد منذ أكثر من شهر للسيطرة على غزة وتهجير سكانها، يشكل خطوة إضافية لاستكمال التدمير الشامل لمعالم المدينة، والقضاء نهائيًا على أي أمل بترميم المواقع والمعالم التي تضررت.
وأوضح المرصد أن أحياء مدينة غزة القديمة الزاخرة بالمنازل التاريخية والمعالم الأثرية العريقة، مثل المسجد العمري الكبير، وكنيسة القديس بورفيريوس، والأسواق التاريخية، والمباني العثمانية والمملوكية، باتت عرضة للتدمير الكلي.
وأكد المرصد أنه وثق هجمات جوية ومدفعية إسرائيلية استهدفت مواقع تاريخية عديدة، تشكل الجزء الأبرز في التراث الثقافي في قطاع غزة.
وذكر المرصد أن "إسرائيل" تستهدف بلا هوادة الإرث الثقافي الإنساني في غزة، باعتباره حاملًا لقيم ومعالم أساسية في صون الهوية والذاكرة الجماعية في سياق جريمة الإبادة الجماعية.
وشدد المرصد على أن تدمير واستهداف المواقع التاريخية والأثرية يشكّل بحد ذاته جريمة حرب، وأحد الأبعاد المركزية في جريمة الإبادة الجماعية المرتكبة ضد الفلسطينيين.