فاجأ صمود أهالي مدينة غزة، ورفض أوامر الإخلاء الإسرائيلية، جيش الاحتلال والمنظومة الأمنية الإسرائيلية، التي باتت تُصعد الضغط على السكان، بهدف إجبارهم على النزوح.
ولم يكتف الاحتلال بالقصف، والغارات والمجازر، ولا باستهداف الأبراج السكنية، ولا حتى تفجير الروبوتات، إذ بات يستخدم أسلحة ووسائل جديدة، منها توظيف النار لقتل المواطنين، وحرق ممتلكاتهم، إضافة لتعمد نشر التلوث بشكل متعمد، بهدف تكثيف الضغط على سكان المدينة، ودفعهم للنزوح عنها.
حرائق متعمدة
وتزايدت شكاوى النازحين من محاولات الاحتلال إحراق خيامهم في الآونة الأخيرة، خاصة في مناطق شمال وغرب مدينة غزة، إما من خلال إسقاط مواد قابلة للاشتعال تجاهها، أو عبر قصفها بصواريخ تؤدي إلى اندلاع حرائق.
ووفق العديد من الشهادات، فإن مُسيرات إسرائيلية تُسقط أجسام مشتعلة أو قابلة للاشتعال على الخيام أو قرب منها، ما يُشكل خطراً كبيراً على المواطنين، خاصة في ظل فصل الصيف، والحرارة المرتفعة، التي تُساعد على سرعة اشتعال النيران.
ووفق مصادر أمنية في قطاع غزة، فإن طائرات إسرائيلية مسيّرة تقوم بإلقاء صناديق تحتوي على عبوات محمّلة بمادة البنزين، وموصولة بأسلاك وصواعق، تستهدف خيام النازحين بهدف إحراقها.
وناشد "أمن المقاومة" المواطنين والنازحين، عدم الاقتراب نهائيًا من الصندوق أو العبوات، والابتعاد عن المكان لمسافة آمنة، وإخلاء المحيط فورًا، كما طالب بمنع الأطفال والفضوليين من الاقتراب أو العبث بالموقع.
وأكد "أمن المقاومة"، أن هذه الأساليب تأتي ضمن حرب نفسية وعدوان إجرامي، ويهيب بالجميع التحلي باليقظة والانضباط الأمني، وفق بيان صدر عن "أمن المقاومة".
ولم يقتصر إحراق الخيام على إلقاء الصناديق المذكورة، إذ يتم إطلاق أنواع معينة من الصواريخ، بواسطة مروحيات هجومية، ومُسيرات، ما تسبب بإحراق عشرات الخيام خلال الفترات الماضية.
وأكد المواطن عبد الله صابر، إن المخيم الذي يُقيم فيه تعرض خلال الأشهر الماضية لأكثر من غارة إسرائيلية، وجميع الغارات نتج عنها اشتعال الحرائق في الخيام المستهدفة بشكل مباشر وخيام بجوارها.
وأوضح أن الاحتلال يتعمد استخدام أنواع من الصواريخ، تؤدي إلى اشتعال النيران في الخيام، وقد ساهم أكثر من مرة في إخماد حرائق اندلعت بعد القصف مباشرة، وهذا يبدو أنه أسلوب إسرائيلي متعمد.
بينما أكد أطباء يعملون في مشافي في القطاع، أنهم يستقبلون بعد كل غارة تستهدف خيام النازحين ضحايا "شهداء وجرحى"، تعرضت أجسادهم لحروق متفاوتة، غالبيتها من الدرجتين الثالثة والرابعة، وهذا يُشير بشكل واضح إلى أن الاحتلال يستخدم صواريخ بها مواد مشتعلة.
كما جول جنود الاحتلال قنابل الإنارة، التي عادة ما تُطلق لتمكينهم من الرؤيا في الليل، إلى طريقة لإشعال الحرائق، في منازل وخيام المواطنين، خاصة في مدينة غزة.
ولا تخلو ليلة من اندلاع حرائق في الخيام، والمنازل غرب مدينة غزة، ومناطق أخرى في شمالها، حيث تُطلق قوات الاحتلال وابل من قنابل الإنارة، التي تسقط على الأرض وهي مشتعلة، فتحرق كل شيء، خاصة في ظل الأجواء الحارة.
ووفق مواطنون فإن قوات الاحتلال تطلق قنابل إنارة، وهي في حقيقتها قنابل حارقة، تأثيرها خطير على الخيام، ومحيطها.
وقال المواطن إبراهيم نصر، إن الاحتلال يستخدم قنابل الإنارة، كوسيلة ضغط لتهجير المواطنين من مدينة غزة، إلى جانب القصف المدفعي والجوي والمجازر، موضحاً أن الجنود يتعمدون إطلاق القنابل المذكورة فوق الخيام بشكل مباشر، فتسقط عليها وتحرقها.
تلوث ودخان
تتعرض مدينة غزة لأعنف موجة من الغارات الجوية منذ بدء العدوان قبل نحو العامين، إذ تستهدف غالبية تلك الغارات بنايات، وأبراج، وعمارات عالية، بالتزامن مع تفجير "روبوتات مفخخة"، وسط المربعات والأحياء السكنية.
وينتج عن كل انفجار، سواء غارة أو ربوت، سحابة كثيفة من الدخان المخلوط بغبار المباني، ويتنشر على مساحات واسعة من المدينة، حتى باتت غزة بأسرها تقبع تحت سحابة من التلوث الشديد، الذي لا يغادرها.
واشتكى مواطنون من سكان مدينة غزة، من ارتفاع نسب التلوث، الذي بات يٌشاهد بالعين المجردة، من خلال رؤية ما يشبه سحابة الدخان في الأفق، والشعور بضيف في التنفس، وراحة غبار معظم الأوقات.
كما اشتكى مواطنون من اشتمام روائح كريهة بعد كل انفجار أو غارة، من بينها رائحة البارود، والغازات الصادرة عن الانفجار، وهي غازات سامة، لها أضرار صحية خطيرة على المواطنين.
وقال المواطن موسى عودة من سكان المدينة إن الغبار الذي يتصاعد من مباني يتم قصفها أو تفجيرها داخل المدينة بشكل يومي بات كبير، وترك آثار صحية بالغة السوء على المواطنين، خاصة القابعين في مناطقها الشمالية والغربية، لاسيما خلال ساعات الليل، حيث تكون الرياح ساكنة، ما يحول دون إزاحة الغبار بعيداً، ويبقى الأخير عالقاً في الأجواء لفترات طويلة، وربما ينزل جزء كبير من الرذاذ السام والملوث على الأرض، وينشر التلوث في التربة والخيام، والمنازل.
وأكد أن التلوث الذي يحدثه الاحتلال في مدينة غزة متعمد، وربما يكون أحد الوسائل للضغط على المواطنين ودفعهم إلى النزوح باتجاه الجنوب، وهو الأمر الذي فشل فيه الاحتلال حتى الآن.
مليون شخص يرفضون النزوح
من جهته أكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن أكثر من مليون فلسطيني، بينهم أكثر من 350 ألف طفل، ما زالوا ثابتين في مدينة غزة وشمالها، رافضين بشكل قاطع مخطط الاحتلال الإسرائيلي الرامي إلى تهجيرهم قسرًا نحو الجنوب.
وأكد المكتب الإعلامي أن الاحتلال يسعى لفرض سياسة النزوح بلا عودة، "في جريمة تتعارض مع كافة القوانين والمواثيق الدولية"، مشيرًا إلى أن عدد سكان غزة وشمالها يبلغ نحو 1.3 مليون نسمة، بينهم 398 ألفًا في شمال غزة و914 ألفًا في مدينة غزة، حيث اضطر قرابة 300 ألف للنزوح من الأحياء الشرقية إلى وسط وغرب المدينة.
وأضاف أن الطواقم الحكومية رصدت ظاهرة النزوح العكسي، "إذ عاد أكثر من 20 ألف مواطن إلى مناطقهم في غزة وشمالها بعد نزوح نحو 68 ألفًا إلى الجنوب، نتيجة انعدام مقومات الحياة هناك.
وأشار المكتب الإعلامي إلى أن منطقة المواصي بخان يونس ورفح، التي يزعم الاحتلال أنها آمنة، تعرضت لأكثر من 109 غارات، خلّفت أكثر من 2000 شهيد، وسط غياب المستشفيات والبنية التحتية والخدمات الأساسية".
ووفق المكتب الإعلامي فقد خصص الاحتلال أقل من 12% من مساحة القطاع كمناطق إيواء، في محاولة لفرض تكدس أكثر من 1.7 مليون إنسان داخلها، بما يمثل جريمة حرب وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي والإنساني.