بينما تشتد المجاعة، وتزيد حاجة الناس للطعام، سارعت دولاً عربية وأجنبية بالإعلان عن إسقاط مساعدات غذائية عبر طائرات فوق قطاع غزة، وروجت هذه الدول بأن هذا الأمر سيساعد الغزيين في الحصول على الطعام، ويخفف المجاعة، لكن الحقائق على الأرض تشير إلى أن هذا الادعاء بعيد عن الواقع، وأن إسقاط هذه المساعدات من الجو لا يسهم مطلقاً في مساعدة سكان غزة.
كما توفر عمليات الإنزال الجوي، ذريعة للاحتلال، للقول بأن أعمال الإغاثة تجري دون أي مشكلات، وكأنه لا يوجد مجاعة، رغم أن الكميات التي تُلقى من الطائرات في أفضل الأحوال لا تعد قطرة في بحر التجويع الممارس بحق الفلسطينيين.
عمليات استعراضية
ويومياً تصل طائرات كبيرة، وتُسقط بضع عشرات من المظلات التي تحمل صناديق مساعدات، فوق مناطق متفرقة من القطاع، إلا أن العملية المذكورة لم تحدث أي أثر على وضع المجاعة، وكانت سبباً في حدوث دمار واصابات، عدا عن تسببها في خلق فوضى وشجارات بصورة يومية.
كما أن اختيار مناطق اسقاط المساعدات كان عشوائياً، وبعض المناطق شهدت اسقاطات متتالية مثل مدينة دير البلح، وأخرى لم تشهد أي عملية إنزال جوي للمساعدات مطلقاً، كما يحدث في مواصي خان يونس، بينما جرى إسقاط كميات كبيرة من المساعدات في قلب مناطق حمراء مُخلاة، يُسيطر عليها جيش الاحتلال، ما حرم الناس من الاستفادة منها.
وقال المواطن عبد الله الكرد، إن أكبر كذبة وخدعة يمارسها الاحتلال هي عملية الاسقاطات الجوية للمساعدات، وهي عملية تلفزيونية، تهدف لتضليل العالم، وإيهامهم بمساعدة الناس في غزة، لكن الحقيقة أنها لا تحدث أي تغيير مطلقاً.
وأكد الكرد أنه يُشاهد الطائرات تُحلق في الأجواء، وتسقط حمولات صغيرة جداً على مناطق محددة، ثم تُغادر القطاع متجهة إلى البحر، وتتكرر ذات العملية يومياً، مشيراً إلى أنه شاهد أيضاً أضرار كبيرة لحقت بخيام النازحين بسبب الصناديق التي تهوي إلى الأرض بسرعة عالية.
بينما اشتكى سكان مواصي خان يونس، خاصة المناطق المكتظة منها، باستثنائهم كلياً من الاسقاطات الجوية، التي تستهدف كل يوم ذات المناطق، ما يعني أنها عملية عشوائية، غير مدروسة، تهدف لخداع المطالبين بوقف المجاعة في غزة، داعين لوقف ما أسموه بـ"المهزلة"، والتركيز على إيصال المساعدات من خلال المعابر، مع تأمين وصولها لوجهتها.
خطر على المواطنين
وبمجرد رؤية طائرات المُساعدات تُحلق في الأجواء، تسود مخاوف كبيرة لدى المواطنين والنازحين، والجميع يتأهبون، وينظرون للسماء، بانتظار معرفة أين ستسقط الصناديق، للفرار منها وتلافي أضرارها.
المواطن يوسف حمد، أكد أن طائرات المساعدات سبق وأوقعت ضحايا ودمرت خيام، ونشرت الرعب في صفوف النازحين، وهو أسلوب مساعدة أثبت فشله على مدار الأشهر الماضية، لسببين الأول أن كميات المساعدات التي يتم إلقائها على مناطق مزدحمة تعتبر قليلة جداً قياساً بحاجة السكان، والسبب الثاني نظراً لخطورة الصناديق التي تسقط على الأرض من ارتفاعات عالية، فالمظلات لا تستطيع إبطاء الصناديق بشكل كافي، وبعض الصناديق لا تفتح مظلاتها فتهوي على الأرض بشكل سريع، وتسحق كل شيء تسقط عليه.
وأكد حمد أن أفضل طريقة لإيصال المساعدات هي المعابر، مع تأمين الشاحنات، حتى تصل للمؤسسات الدولية، ويتم توزيعها على النازحين وفق الآليات السابقة، التي تحافظ على أرواح المواطنين وكرامتهم.
بينما قال المواطن حمزة خليل، إنه شاهد إسقاط جوي لصناديق مساعدات في مناطق جنوب المواصي بمحافظة خان يونس، وبعض الصناديق سقطت في منطقة قيزان النجار جنوب المحافظة، وهي مناطق حمراء شديدة الخطورة، لا أحد يستطيع التوجه إليها، ما حرم الناس من الاستفادة منها، وصناديق أخرى سقطت قرب "مخيم رحمة"، وتوجه عشرات الآلاف إليها، وحدثت شجارات وتدافع وتناحر، كل شخص يريد الحصول على حصته من المساعدات، وشاهد بعينه العشرات أصيبوا بكدمات وركلات، والبعض حدث لديهم نزيف، وآخرون أوشكوا على الموت بسبب التزاحم الشديد.
وأوضح خليل أن ما يحدث وصفة للفوضى وتغذية للعنف والشجارات، فالقوي هو الذي يحصل على المساعدة، لذلك هناك رفض كبير لهذه الطريقة التي يصفها بالمُذلة، ويجب استبدالها بطرق أخرى تحفظ سلامة المواطنين، وتحافظ على كرامتهم، وتضمن عدالة التوزيع على الجميع، القوي والضعيف.
وكان 11 مواطناً أصيبوا قبل يومين، جراء عملية اسقاط جوي للمساعدات في منطقة شمال القطاع، كما تم تدمير عدد من خيام النازحين.
وبالإضافة لما سبق، فإن كلفة الإنزالات الجوية عالية جداً، فوفقاً لتقارير برنامج الغذاء العالمي، فإن كلفة إيصال المساعدات عبر الجو، أعلى بنحو 7 مرات، من عمليات النقل البري، خاصة وأن الموارد محدودة، ولا يمكن للمنظمات تحمل كلفة تجهيز الطائرات بالوقود واستئجارها من الدول، ودفع ثمن المظلات.
وبحسب المنظمات، فإن نسبة كبيرة من كلفة عملية الإنزال، تذهب للتجهيزات اللوجستية الخاصة بالعملية، في حين النسبة الأقل من الكلفة هي للمواد التي ستلقى وكميتها قليلة.
كميات محدودة
من جهتها قالت "جولييت توما"، مديرة الإعلام والتواصل في وكالة الغوث الدولية "الأونروا"، إن "الإسقاطات الجوية غير ضرورية على الإطلاق، وغير فعّالة، ومكلفة، ومحفوفة بالمخاطر، وهناك طريقة أكثر أمانًا وأسرع وتحفظ كرامة الإنسان عبر إدخال الشاحنات من المعابر.
وأكدت أنه وخلال وقف إطلاق النار في وقت سابق من هذا العام، أدخلت الأمم المتحدة — بما في ذلك الأونروا — ما بين 500 إلى 600 شاحنة بشكل يومي، ويجب العودة لذلك فوراً.
وأكدت أن طواقم الأونروا جاهزة لإدخال المساعدات إلى غزة وتوزيعها بطريقة آمنة، وتحفظ الكرامة على من هم في أمسّ الحاجة إليها.
بينما أكد المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، أن حمولة كل اسقاط جوي لا تتجاوز نصف شاحنة من تلك التي تصل من خلال المعابر البرية، مع العلم أن قطاع غزة يحتاج كل يوم إلى 600 شاحنة على الأقل، لتلبية احتياج المواطنين.
ووثقت التقارير خلال حملة الإنزال الأولى، حدوث فوضى عارمة في ملاحقة مظلات المساعدات لحظة سقوطها، وهجوم المئات عليها في وقت واحد، بطريقة لا تحفظ كرامتهم في الحصول على الغذاء، والفئة الوحيدة التي تمكنت من انتزاعها هم اللصوص، عبر التهديد بالأسلحة البيضاء لكل من يقترب من المظلات، وسلبها وبيعها في السوق السوداء.
بحسب تقارير لـ"ذا هيوميانيتيريان"، و"وركر وورلد"، فإن المساعدات تلقى بعشوائية، ولا تمر بإدارة مركزية، أو عملية توزيع ميدانية، لضمان العدالة في توزيعها، ومن يملك القوة عبر تشكيلات العصابات يسيطر عليها ويتحكم بها في حين يحرم الضعفاء منها.
كتب: محمد الجمل