ما زالت مراكز المساعدات الأميركية جنوب ووسط قطاع غزة، مكاناً لقتل المواطنين وإهانتهم، والتنكيل بهم.
وثمة فظائع كبيرة ارتكبتها قوات الاحتلال التي تُسيطر على تلك المراكز الواقعة داخل المناطق الحمراء، بعضها ارتبكت بحق أطفال، وأخرى بحق سيدات، وبعضها جرى ارتكابها ضد بالغين.
رحيل الأم المكافحة
الأم ماريا شيخ العيد، واحدة من قصص الفقد المؤلمة داخل تلك المراكز، التي قتلت بدم بارد وتركت خلفها عائلة بلا معيل أو سند.
فمنذ اللحظات الأولى لفقدان زوجها، الذي استشهد قبل 10 شهور، وجدت الأم ماريا شيخ العيد نفسها في موقع مسؤولية لم تعتد عليه من قبل، فالمطلوب منها توفير الطعام لأطفالها في ظل المجاعة المستشرية، وتوفير مأوى ومتطلبات أخرى لهم.
وعلى مدار الأشهر الماضية، أضحت ماريا أماً مكافحة لا تترك باباً إلا وتطرقه حتى تجلب الطعام لأطفالها، تتردد على المطابخ المركزية، ويساعدها المبادرون وأهل الخير، لكن في ظل تفاقم أزمة الجوع لم تجد ماريا سبيلاً سوى التوجه لمركز المساعدات الأميركية شمال مدينة رفح، ولم تتردد كثيراً رغم إدراكها بخطورة التوجه لتلك المراكز.
اختارت الأم ماريا يوماً مخصصا للنساء وتوجهت للمركز المذكور، وحاولت كغيرها من السيدات الوصول لصناديق المساعدات، لأخذ صندوق يكفي لإطعام عائلتها عدة أيام، لكن قناص إسرائيلي يعتلي رافعة تشرف على المركز لم يمهلها، وصوب بندقيته تجاهها، وأطلق رصاصة اخترقت رقبتها، وتسببت باستشهادها على الفور، لتلتحق بزوجها، وتترك أطفالها بلا معيل.
وتقول ملاك الإبنة الكبرى لماريا، وعينيها تذرف دموع، إنه وبعد استشهاد أبيها قبل نحو 10 أشهر أصبحت والدتها هي المعيل الوحيد لهم، تفني حياتها وتخاطر من أجل جلب الطعام لها ولأشقائها، وهي مصدر الأمان المتبقي لهم، وبعد رحيلها أصبحت وأشقائها في مهب الريح، يواجهون متاعب ومصاعب النزوح والحرب وحيدون.
وأكدت أن والدتها أخبرتهم نيتها التوجه لمركز المساعدات الأميركية شمال رفح في يوم مخصص للنساء، وطمأنتهم بأن الأمريكان قالوا إنه يوم آمن ولن يتم التعرض لأي سيدة، لكن أبنائها رفضوا خوفاً على والدتهم، وحين استيقظوا في الصباح لم يجدوها في الخيمة، حينها عرفوا أنها توجهت للمركز وهم نائمون.
وذكرت ملاك أنها وأشقائها انتظروا عودة والدتهم ساعات طويلة، وبدأ القلق يمتلكهم، وباشروا بالاتصال على معارفها وأقاربها، حتى اتصلوا على صديقة كانت مرافقة لها، لتخبرهم أنها أصيبت، وبعد تدريج في الخبر جاءت الصدمة، وأخبرتهم أن أمهم التحقت بركب الشهداء.
وأكدت ملاك وهي تبكي بحرقة أنها خسرت والديها، ولم يعد لهم معيل، ووضعهم بات أكثر من سيء.
وقالت "لقد غدروا بوالدتي التي كانت تتجنب التوجه لمراكز المساعدات الأميركية، وقالوا إنه يوم آمن مخصص للنساء، وصدقتهم وذهبت، لترتقي شهيدة برصاص الغدر".
تعذيب الأسرى الأطفال
ما زال جنود الاحتلال ينفذون "نظام الكمائن"، بحق طالبي المساعدات الأميركية، إذ يسمحون للمجوعين بدخول المراكز، وفجأة يُحاصرونهم، ويعتقلونهم، وينقلونهم إلى مناطق مجهولة.
واللافت أن من يتم اعتقالهم من تلك المراكز يُسجلون على أنهم مفقودين، ولا يعلم ذووهم عنهم شيء، ولا يُقدم الاحتلال عنهم أية معلومات.
ومؤخراً أفرج الاحتلال عن 10 أطفال من جنوب قطاع غزة، كان اعتقلهم من المراكز المذكورة، وجرى نقلهم إلى مجمع ناصر الطبي، وقد روى الأطفال شهادات صادمة عن تعرضهم لتعذيب وحشي في سجون الاحتلال.
وقال الطفل عمر عصفور أحد الأطفال المفرج عنهم، إنهم تعرضوا لأبشع وأقسى عمليات التعذيب، باستخدام أجهزة صعق كهربائية، إضافة لتعرضهم للضرب طوال اليوم، باستخدام هروات.
وأكد عصفور أن جنود الاحتلال قيدوهم بأصفاد بلاستيكية بعد وضع أيديهم خلف ظهورهم، وتركوهم لساعات وأيام، وكانوا يوجهون لهم عبارات نابية، وألفاظ بذيئة، ويركلونهم بأرجلهم وهم على الأرض، وكانوا يتعمدون تجويعهم، وإعطائهم القليل من الطعام على فترات زمنية متباعدة، وبعضهم كانوا يفقدون وعيهم من شدة الجوع والعطش.
وأوضح أنهم لم يسلموا من الاعتداءات حتى وهم نائمون، إذ كانت قوات خاصة تقتحم الزنازين عليهم، وتلقي فيها قنابل صوتية، ومن ثم يقومون بسحلهم وضربهم وركلهم باستمرار، دون سبب أو مبرر.
وأكد عصفور وعدد من زملائه أنهم تعرضوا لتحقيق قاسي ومهين استمر أيام طويلة، عانوا خلاله من ضغوط نفسية وجسدية كبيرة، كما كان الجنود والسجانون يهملون المرضى من الأسرى، ولا يقدمون لهم أي رعاية طبية، وعندما يشتكي أحدهم للسجان، يقول له بسخرية اشرب مية بروح الوجع.
بينما أكد أسرى آخرون أن من بين الأسرى في الغرف أطفال لا يتجاوز أعمارهم 14 عام جرى اعتقالهم من داخل مراكز التوزيع الأميركية، ولم يسلموا من التنكيل والتعذيب، وبعضهم لم يتأملوا أن يخرجوا من السجن أحياء من شدة التعذيب والتنكيل الذي تعرضوا له، موضحين أنهم كانوا يسمعون صراخ واستغاثات الأسرى في الغرف المجاورة، بعد تعرضهم للضرب والاعتداء والاهانة.
وما زال حتى اللحظة ثمة عشرات المفقودين داخل المراكز المذكورة، لا يعرف إن كانوا شهداء أو معتقلين، والاحتلال يرفض تقديم أية معلومات عنهم.
رصاص يُمزق أجساد الضحايا
يستهدف الاحتلال طالبي المُساعدات قرب مراكز التوزيع الأميركية في رفح ووسط القطاع بشتى وسائل القتل، ويتعمد قناصة وجنود يعتلون دبابات ورافعات إطلاق النار عليهم، باستخدام بنادق ورشاشات ثقيلة، تطلق رصاص متفجر، وهو ما ظهر آثاره بشكل واضح على أجساد الضحايا، من خلال تهدك شديد في الأنسجة، وكسور مضاعفة في العظام، إضافة لتفجر رؤوس بعض الشهداء.
ويقول المواطن أيمن صالح إن شقيقه اعتاد على التوجه لمراكز المساعدات الأميركية منذ مدة، وفي يوم غاب ولم يعد إلى المنزل، وبعد رحلة بحث وجدوه في أحد المستشفيات الميدانية، مصاب بعيار ناري في ساقه، وقد تسببت الرصاصة الثقيلة في تهشم عظتك الساق، وتفتت الانسجة والأربطة.
وأكد صالح أن الطبيب أخبره بأن شقيقه أصيب برصاصة متفجرة ثقيلة، أدت إلى إحداث أضرار كبيرة في ساقه، يصعب علاجها في غزة في ظل الوضع الراهن، وأنه سيبقى طريح الفراش لفترات طويلة، وربما يعاني من عاهة تلازمه طوال حياته.\وأشار إلى أنه شاهد إلى جانب شقيقه مصابون فتت الرصاص أجسادهم بطريقة وحشية، وبعض الشهداء لا يوجد لهم معالم، بسبب ما أحدثه الرصاص الثقيل من أضرار في رؤوسهم، متسائلاً عن نوعية الرصاص الذي يستخدمه الاحتلال ضد المُجوعين.
في حين يقول الشاب يوسف بركة، إنه أصيب برفقة 4 من أقاربه برصاصة واحد، موضحاً أنهم احتموا بصخرة صغيرة من بسبب إطلاق النار الكثيف على طالبي المساعدات، وفجأة ارتطمت رصاصة بالصخرة وانفجرت واصابتهم جميعاً بالشظايا، موضحاً أن هذا ليس مجرد رصاص، إنما قذائف صغيرة متفجرة وقاتلة.
وأشار إلى أنه وبينما كان يحتمي خلف الصخرة كان يسمع أصوات انفجار الطلقات في محيطه، ويسمع صراخ المصابين، ويشاهد الموت حوله من كل جانب.
وبين بركة أن الرصاص الذي يستهدف طالبي المساعدات عادة يكون له ثلاثة مصادر، الأول الدبابات وهي مزودة برشاشات ثقيلة من عيارات عالية، والثاني عبر رافعات جرى نصبها خصيصاً لاستهداف طالبي المساعدات، وهي أيضاً مزودة ببنادق ورشاشات ثقيلة، وأحياناً يتم استهدافهم بواسطة مُسيرات مزودة برشاشات تقوم بملاحقة المُجوعين.
مراكز للموت والإذلال
من جهته أكد إسماعيل الثوابتة مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي، أن الشركة الأميركية الإسرائيلية لتوزيع "المساعدات" لا تؤدي دوراً إنسانياً محايداً، بل تعمل ضمن أجندة سياسية خبيثة تهدف لإعادة تشكيل المشهد الإنساني والاجتماعي في قطاع غزة تحت عنوان "المساعدات"، وتقوم هذه الشركة بتوزيع المساعدات بصورة انتقائية، غير شفافة، وبآليات خارجة عن التنسيق مع المؤسسات الرسمية أو الشركاء المحليين، وبصورة مخالفة للمبادئ العامة للعمل الإنساني وهي الإنسانية، الحياد، الاستقلالية، وعدم التحيز، ما يؤدي إلى خلق بؤر من الاحتقان المجتمعي، وإثارة الصراعات داخل صفوف المتضررين، وتعميق الشعور بالتمييز والغبن، وهذا السلوك يُعزز من حالة الفوضى الداخلية، ويستخدم الغذاء كسلاح للضغط والابتزاز، بما يخدم الرؤية "الأميركية–الإسرائيلية".
ويضيف الثوابتة أن هناك تكاملاً للأدوار ما بين الدور الأميركي و"الإسرائيلي" في قطاع غزة، فإن سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" تُمارس جريمة التجويع الممنهج من خلال الحصار العسكري والدمار الشامل للبنية التحتية والمرافق الحيوية، بينما تتدخل الولايات المتحدة عبر أدوات "إنسانية" مزعومة، من خلال شركات ومؤسسات توزيع مساعدات تتصرف وفق أجندات أمنية وسياسية، هذا التناغم يهدف إلى إدارة المجاعة لا إنهائها، وإبقاء السكان المدنيين في دائرة الحاجة والضعف، مع إنتاج أزمات مركّبة: غذائية، وأمنية، واجتماعية.
كتب: محمد الجمل