تصاعد العدوان الإسرائيلي المتواصل على محافظة خان يونس، مع زيادة الضغط على المواطنين والنازحين بشكل غير مسبوق.
وبات واضحاً أن الاحتلال يتدرج في سيطرته على محافظة خان يونس، إذ بدأت السيطرة قبل أشهر من المناطق الشرقية، ثم امتدت لجنوب ووسط وشمال المحافظة، ومنذ أيام يتعمق العدوان وصولاً لمناطق المواصي غرباً.
ووفق مصادر محلية وشهود عيان فإن الاحتلال بات يُسيطر فعلياً على نحو 90% من مساحة محافظة خان يونس، ويحشر الناس في شريط ساحلي ضيق، لا يتجاوز 10% من مساحة المحافظة، بينما لا تجد آلاف الأسر مكان تتوجه إليه، أو تقيم
اخلاءات ومناورات برية
وواصل الاحتلال خلال الفترة الماضية إصدار أوامر نزوح وإخلاء متتالية، وصل بعضها حتى مناطق المواصي، التي كان من المفترض أنها "مناطق إنسانية"
وفجر الخميس الماضي، فوجئ عشرات الآلاف من النازحين القاطنين في مخيمات جنوب مواصي خان يونس، بقوات كبيرة من جيش الاحتلال تتقدم باتجاه خيامهم بصورة مفاجئة، وسط قصف جوي ومدفعي وإطلاق نار كثيف.
ووفق مصادر محلية وشهود عيان، فإن دبابات ترافقها جرافات، وبغطاء جوي كثيف من طائرات مُسيرة، اجتاحت مناطق في محيط "المسلخ التركي، ومحيط الكنيس، ومقربة النمساوي"، ومناطق واسعة جنوب مواصي خان يونس.
وسقط جراء الهجوم المباغت لقوات الاحتلال عدد من الشهداء والجرحى، بينما فر عشرات الآلاف من النازحين من خيامهم، دون أن يأخذوا معهم شيء من أمتعتهم.
وبعد دخول قوات الاحتلال للمنطقة، شوهدت حرائق كبيرة في قلب مخيمات النازحين، نجمت عن قيام قوات الاحتلال بإحراق الخيام على ما فيها من عفش وأثاث، بينما صُدم المواطنين حين عادوا لخيامهم في اليوم التالي، من رقعة الدمار الكبيرة، التي طالت الخيام، حيث جرى سحق مئات الخيام تحت جنازير الجرافات والدبابات، بينما أُحرقت أخرى عمداً، واصبح آلاف النازحين بلا مأوى.
ووفق مواطنون فإن ما يحدث في خان يونس يعتبر عدوان غير مسبوق، وضغط شديد يتعرض له السكان والنازحون في المحافظة، لاسيما القاطنين في مخيمات جنوب المواصي.
وقال المواطن عبد الله الكرد، إن الاحتلال يرتكب مجازر وعمليات قتل ضد السكان والنازحين في خان يونس على مدار الساعة، ويجعل المواطنين والنازحين في دائرة الخطر، ويفقدهم أي شكل من أشكال الأمان.
وبين أنه نزح وعائلته من مدينة رفح باتجاه مواصي خان يونس طلباً للأمان، وليحافظ على حياة أسرته، لكن لم يجد في خان يونس سوى القتل، والجوع، والتهجير، والضغط، ولم يشعر بالأمان قط.
وأشار إلى أن الوضع في خان يونس بات أكثر من صعب، والاحتلال مارس كل أنواع الجرائم بحق النازحين في المحافظة، والآن لم يبق سوى دفع المواطنين للغرق في البحر، خاصة بعد إغلاق مدينة رفح أمامهم.
خان يونس بلا مقابر
تسبب العدوان الإسرائيلي الأخير، الذي طال مناطق جديدة بمحافظة خان يونس، في حصار مقابر المحافظة، بما فيها "مقبرة النمساوي"، و"المقبرة التركية"، ما جعل المحافظة بلا مقابر، وحال دون تمكن ذوي الشهداء ممن سقطوا مؤخراً بدفن جثامين أحبتهم.
وبقيت العديد من الجثامين في مشافي محافظة خان يونس، بينما نُقلت أخرى إلى مناطق غرب المدينة، وجرى دفن بعض الشهداء في أراضي، وشوارع، ومناطق غير مخصصة لذلك.
واقتحمت جرافات الاحتلال مدعومة بعشرات الجنود المقابر المذكورة، ونفذت فيها عمليات تجريف وتخريب واسعة، رافقها عمليات نبش طالت مقبرة جماعية كبيرة، كان دُفن فيها رفاة عشرات الشهداء، ممن سرق الاحتلال جثامينهم في الحرب، وأعاد تسليم الرفاة للجانب الفلسطيني، التي ظلت مجهولة حتى بعد دفنها، نظراً لأن الاحتلال لم يُسلم أية معلومات عنها.
كما أحدثت الجرافات حفر كبيرة داخل المقابر، بينما جرى تجريف قبور، ما تسبب باختلاط رفاة وعظام الموتى داخل المقبرة، بالإضافة لتدمير عشرات القبور التي جرى تجهيزها لدفن الشهداء، ما يعني توقف الدفن في المقابر لفترة.
وأكد شهود عيان إنهم شاهدوا عظام ورفاة الشهداء تملأ المقبرة، بعد نبش المقابر، بينما جرى تدمير محيط المقبرة وسورها، وإحداث دمار كبير حولها.
كما أن جيش الاحتلال مازال يتمركز على بعد مئات الأمتار من المقابر، ويطلق النار تجاه المواطنين، ما يحول دون إصلاح القبور، أو إعادة الدفن فيها.
وأعرب ذوو شهداء دفنوا أحبتهم في تلك المقابر عن استيائهم مما فعله الاحتلال في المقابر، مؤكدين أن هذا يُمثل انتهاك صارخ للقانون الدولي، وانتهاك لحرمة الأموات.
وقالت الإعلامية سالي الغوطي تعقيباً على تجريف مقبرة خان يونس: " كيف لعقلي أن يستوعب فكرة أنه اليهود ينبشوا قبر أبي ويجرفوا قبور الشهداء، أو حتى يسرقوا الجثث مثلما فعلوا ذلك من قبل.. لسه القلب ما برد على استشهاد أبوي حسبي الله ونعم الوكيل..".
وتعتبر هذه المرة الثانية التي تصل آليات الاحتلال فيها لمقابر خان يونس، خاصة مقبرة "النمساوي"، ومقبرة المعسكر، حيث جرى سابقاً سرقة عشرات الجثامين والرفاة منها.
اتساع الدمار في خان يونس
مازال جيش الاحتلال يُحكم سيطرته بالكامل على مناطق شرق وجنوب محافظة خان يونس، ويقوم بعزل تلك المناطق عن محيطها، وينفذ أوسع عمليات تدمير فيها.
وبعد تدمير بلدة خزاعة بالكامل، انتقلت بؤرة التدمير إلى بلدة عبسان، وبني سهيلة المجاورة، مع استمرار التدمير في مناطق جنوب خان يونس، خاصة منطقة "معن، وجورة اللوت، والفخاري"، وغيرها من المناطق.
ووفق مصادر محلية وشهود عيان، فإن أرتال من الجرافات الكبيرة "حفار"، وصلت في الأيام الماضية إلى مناطق جنوب وشرق خان يونس، وانضمت لمثيلاتها المتواجدة في تلك المناطق، وبدأت بتوسيع رقعة الدمار فيها.
وبالتزامن مع عشرات الغارات الجوية التي تستهدف منازل وبنايات فارغة بخان يونس، تنفذ قوات الاحتلال عمليات نسف واسعة، تمسح من خلالها مربعات سكنية كاملة، بينما تُسرع الجرافات عمليات التدمير هناك.
وتُظهر صور الأقمار الاصطناعية لمناطق شرق وجنوب محافظة خان يونس، اتساع سريع لرقعة الدمار في تلك المناطق، خاصة في بلدة عبسان التي جرى حتى الآن تدمير أكثر من 70% من المنازل والبنية التحتية فيها.
ويقول المواطن أحمد النجار، إنه اضطر للمغامرة بحياته ووصل إلى منزله عند الأطراف الغربية من بلدة عبسان، لجلب بعض الحاجيات الضرورية، ووجد المنزل متضرر بشكل بليغ، جراء انفجار "روبوت مفخخ"، بالقرب منه، وما شاهده من دمار هناك كان صادماً، لدرجة أنه شعر للحظات أنه جاء إلى منطقة أخرى غير عبسان.
وأكد النجار الذي نجا من الموت بعد أن لاحقته طائرة مُسيرة، "كواد كابتر"، وأطلقت النار تجاهه، أن الاحتلال ماضٍ في خطة تدمير شامل وكامل لأحياء شرق وجنوب خان يونس، والمنازل التي نجت من التدمير في الاجتياح الأول بداية العام الماضي 2024، لن تنجُ هذه المرة.
وأوضح أنه شاهد من بعيد عشرات الحفارات والجرافات تدمير المنازل، وبعض العمارات الكبيرة اجتمع عليها أكثر من حفار بهدف تدميرها كلياً وانهيار طبقات الخرسانة فيها.
كتب: محمد الجمل