دفع ضعف وتراجع فرص الاستثمار في قطاع غزة، وصعوبة إنشاء مشروعات تدر دخل مضمون، العشرات ممن لديهم مدخرات أو سيولة مالية لا يحتاجونها في الأمد القريب، للبحث عن فرص جديدة لاستثمارها، محاولين تحقيق بعض المكاسب المالية.
فكان المضاربة على عُملتي دولار شيكل، من بين خيارات المستثمرين، إذ ينتظر هؤلاء صعود قيمة الدولار مقابل الشيكل، ويبيعون ما لديهم من عملة صعبة، ثم يترقبون هبوط الأسعار من جديد، ويعيدون الشراء، وهكذا.
لكن تلك العملية، ورغم أنها تبدو مربحة وسهلة، إلا أنها غير مضمونة، وتتسم المضاربة بخطورة عالية، فقد يتم بيع الدولار عند نقطة محددة، ثم يواصل الصعود متجاوزاً التوقعات، ما يعني أن الشخص الذي باع ما لديه تعرض لخسارة، خاصة إذا ما كان ادخاره من عملة الدولار.

عملة مرنة
ويقول الخبير والمحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر لـ "فلسطين بوست"، إن هناك نوعين من العملات في حركاتها أمام الدولار الأميركي، الأول عملات مرنة، سعرها غير ثابت، تتحرك صعوداً وهبوطاً، وفق عوامل اقتصادية وسياسية، ومنها الشيكل، الذي وصل قبل ثلاثة أعوام إلى 3.10 شيكل لكل دولار واحد، وتجاوز 3.7 قبل وقت قصير، ثم عاود الهبوط في بداية الستينات.
أما النوع الثاني فهو عملات ثابتة مرتبطة بالدولار بشكل أساسي، مثل الدينار الأردني، حيث يساوي كل دينار حوالي 1.4 من الدولار، وهو سعر ثابت، يتغير بهامش بسيط جدا، وهذا النوع من العملات لا يصلح للمضاربة.
ووفق أبو قمر فإن هذا التحرك والمرونة في عملة الشيكل أمام الدولار أعطى بعض ملاك رؤوس الأموال فرصة للمضاربة، فهم ينتظرون الصعود لبيع الدولار، ومن ثم الهبوط لشرائه من جديد.
ونوه إلى أن عمليات المضاربة اتسعت بشكل كبير بعد جائحة كورونا، وحدوث تذبذب على أسعار الصرف، وخلال العامين الماضيين حقق مستثمرون أرباحاً جيدة، والبعض مني ببعض الخسائر.

عملية مدروسة
لكن أبو قمر أكد أن العملية غير عشوائية، فهي تخضع لتحليل فني ومالي من قبل خبراء، وهناك نقاط مقاومة للعملة، وتوقيت البيع والشراء يجب أن يكون مدروساً، وأن يتمتع المضارب بصفات الصبر وعدم التعجل، حتى يتم تحقيق الأرباح المنشودة.
وأكد أن بعض المواطنين ممن لا يمتلكون خبرات في هذا المجال، ومن باب إراحة أنفسهم، يقومون بتسليم أموالهم لصراف محترف يعمل في مجال المضاربات المالية، مقابل نسبة متفق عليها من الأرباح، لاعتقادهم بأن ذلك أفضل لتحقيق الربح.
وحذر أبو قمر مما أسماه غدر السوق، فالمضاربة لا تخلو من مخاطرة قد تكون كبيرة، فأحياناً يحدث انزلاق قوي ومفاجئ في السعر، أو صعود حاد ومفاجئ، وهذه الحركات قد تتسبب بخسارة البعض، لذلك يُنصح بعدم المجازفة دون علم أو دراسة للسوق بشكل جيد، وأن لا يتم استثمار كامل الأموال في هذا المجال، وفق المقولة القديمة "لا تضع كل البيض في سلة واحدة"، خاصة أن أسواق العملات والاقتصاد بشكل عام مرتبط بالسياسة، وعوامل أخرى، فأي حدث محلي أو عالمي قد يهوي بالعملة، أو يصعد بها بشكل مفاجئ.

مضاربون مستمرون
ويقضى مضاربون وقتاً طويلاً أمام شاشات الحاسوب والهواتف الذكية، في مراقبة أسواق المال، ومؤشرات حركة صعود وهبوط الشيكل أمام الدولار، كما يتابعون تحليلات الخبراء، ويتحينون الفرص المناسبة للبيع والشراء.
ويقول المواطن ياسر عبد الله، إنه يمتلك مبلغ مالي كبير نسبياً، ومنذ مدة يبحث عن مشروع جيد للاستثمار، وإلى حين أن يصل لمراده، بدأ بالمضاربة على عملة الشيكل، لكنه ونظراً لعدم امتلاكه خبرة كافية اتبع أمرين، الأول الاشتراك في قناة "تلغرام"، مدفوعة لخبير اقتصادي معروف، يقوم الأخير بتحليل العملة، ونُصح مشتركيه بالبيع والشراء عند نقاط محددة، والأمر الثاني استشارة صيارفة، وخبراء مال، حتى يضمن أنه باع أو اشترى في الوقت المناسب.
وأكد أن التذبذب الأخير في سعر صرف الدولار مكنه من ربح جيد، حيث باع ما لديه من عملة صعبة عند 3.73، ثم اشتراها مرة أخرى عند 3.63، لافتاً إلى انه سيواصل العمل في المضاربة خلال الفترة المقبلة، لكن بحذر شديد، حتى لا يتعرض للخسارة.
في حين يقول المواطن محمود رضوان، إنه يمتلك مبلغ مالي، وخلال عامي 2022 والعام الحالي، ضارب أربع مرات على عملة الدولار شيكل، في واحدة منها تعرض للخسارة لأنه تعجل، وفي مرة أخرى لم يحقق ربح، وفي المرتين الباقيتين، حقق ربح جيد.

توتر وترقب
وأكد أن المضاربة هي حرق للأعصاب، فيبقى المضارب متوتراً قلقاً، يراقب الأسعار، ويتردد ألف مرة عند البيع أو الشراء، لخشيته من الصعود والهبوط، فيجب أن يكون المضارب صبوراً، دارساً للسوق، ولا بأس أن يتمتع ببعض من قوة القلب.
من جهتهم أكد تجار عملة في السوق أن المضاربة توسعت مؤخراً، خاصة مع الحركات السريعة لعملة الدولار مقابل الشيكل، ففي بعض الأوقات يحدث لدى الصيارفة وفرة كبيرة في عملة الشيكل، وشح في الدولار جراء لجوء المضاربين لشراء العملة الصعبة، وفي أوقات أخرى يحدث العكس، بعد أن ينهال المضاربون لبيع ما لديهم من دولار.
وأشاروا إلى أن الصيارفة يعملون بحذر في هذا المجال، خشية ان تتكدس لديهم العملة بشكل كبير، ما قد يعرضهم للخسارة، ويحاول بعض الصيارفة في بعض الأوقات جعل فارق أكبر بين البيع والشراء.
ولجأت بعض البنوك لحظر تحويل العملات عبر "تطبيق بنكي"، الخاص بالعملاء من خلال الهواتف الذكية، بعد أن أصبحت المضاربة والتحويل يشمل الأموال المودعة في البنوك، كما حددت البنوك في بعض الأوقات هامش سحب يومي من العملات الصعبة، للحد من ظاهرة المضاربة.
كتب: محمد الجمل
اقرأ أيضًا: تقرير الاحتيال المالي في غزة.. طرق نصب مختلفة وضحايا كُثر