شهدت الأيام القليلة الماضية تصاعد كبير في مجازر الاحتلال بحق الجائعين، ممن يحاولون الوصول لمراكز توزيع المساعدات الأميركية في مناطق جنوب ووسط القطاع.
ويومياً تتكرر المشاهد المُروعة والصادمة، حيث يتجمع آلاف المواطنين الجائعين حول مراكز المساعدات، أملاً بالحصول على بعض الطعام، فيتحول هؤلاء الجوعى والمُنهكين، إلى هدفًا مباشرًا لرشاشات الاحتلال وقذائف دباباته وصواريخ طائراته، وخلال دقائق تتحول تلك المراكز من ساحات لتوزيع المساعدات، إلى مصائد للقتل الجماعي.
ووفق أحدث الإحصاءات التي صدرت ظهر أمس الأربعاء، فقد ارتفع عدد شهداء مجازر الاحتلال في محيط مراكز توزيع المساعدات منذ افتتاحها، لأكثر من 210 شهيداً، وما يزيد على 1700 خلال أسبوعين فقط.
"مصائد للموت"
وتحولت مراكز توزيع المساعدات الأميركية إلى "مصائد للموت"، وباتت يومياً تحصد أرواح العديد من المواطنين، حيث تزايدت حصيلتها بشكل متصاعد.
ووفق مواطنون فإن ما يحدث قرب وفي محيط مراكز التوزيع جرائم مروعة، وإعدام بدم بارد لعشرات المواطنين، فالجائعين يأتون للمراكز عُزل من أي نوع من السلاح، ويسيرون في طرقات حددها لهم الاحتلال، رغم ذلك يتم إطلاق النار تجاههم، وقتلهم بدم بارد.
وبعد أن كانت بؤرة المجازر قرب مراكز توزيع المساعدات جنوب رفح، بات مركز وسط القطاع "نتساريم"، بؤرة جديدة للمجازر، إذ يشهد هذا المركز ومحيطه يومياً مجازر مروعة، يروح ضحيتها عشرات الشهداء والجرحى.
وغصت المستشفيات في مناطق جنوب القطاع ووسطه بالشهداء والجرحى، وبعضهم جاؤوا من مدينة غزة وشمال القطاع، إذ أجبرهم الجوع على قطع عشرات الكيلو مترات، ليصلوا إلى تلك المقار، لكنهم فقدوا حياتهم جراء تلك المحاولة الخطيرة.
وأكد الشاب عبد الله عاشور أن رافعات ودبابات تُحيط بمراكز توزيع المساعدات، ويبدأ القناصة والرصاص العشوائي باستهداف الجائعين فور تجمعهم خارجها، خاصة إذا ما وصلوا قبل الموعد المُحدد لفتحها، ويضطر الجميع للاحتماء بالأرض، ومحظوظ من يجد تلة صغيرة يختبئ خلفها، والبعض يصابون بالرصاص حتى وهم في حالة الانبطاح.
وأكد أنه سمع أنين وصرخات شبان أصيبوا إلى جانبه بينما كانوا منبطحين أرضاً، لكنه لم يستطع هو أو غيره مساعدتهم، فمن يرفع رأسه يموت.
بينما المواطن حسن جمعة، إنه توجه أربع مرات لمراكز توزيع المساعدات، نجح في اثنتين منهما في جلب صندوقين، لكنه واجه في المرات الأربعة خطر كبير، وشاهد الموت بأم عينيه، إضافة للإذلال المتعمد من قبل الاحتلال، حتى خلص في النهاية لنتيجة مفادها، أن الموت جوعاً أهون ألف مرة من الذهاب لتسلم مساعدة مغمسة بالذل والمشقة والدم، لذلك قرر مقاطعة هذه المراكز مهما بلغ حد جوعه وأسرته، ناصحاً الجميع بمقاطعتها، لأن ذلك سيتسبب بإفشالها، وبالتالي عودة طرق التوزيع القديمة، التي تصون كرامة المواطنين، وتحافظ على آدميتهم وأرواحهم.
جرائم مقصودة
من جهته أكد المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، أن ما يُسمى بمراكز توزيع "المساعدات"، والتي تقام في مناطق حمراء مكشوفة وخطيرة، وخاضعة لسيطرة جيش الاحتلال، تحوّلت إلى مصائد دم جماعية، يُستدرج إليها المدنيون المُجوعون بفعل المجاعة الخانقة والحصار المشدد، ثم يتم إطلاق النار عليهم عمداً وبدم بارد، في مشهد يختصر خُبث المشروع، ويُعري أهدافه الحقيقية.
وأضاف: "لا تخضع هذه النقاط لأي إشراف إنساني مستقل، بل تُدار أمنياً من قبل الاحتلال "الإسرائيلي" وشركة أمنية أمريكية، ما يجعلها نقاط قتل تحت غطاء إنساني زائف، ويُصنّفها القانون الدولي كمواقع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية".
ويؤكد المكتب الإعلامي الحكومي، أن أرقام ضحايا مجازر الاحتلال في محيط مراكز التوزيع باتت مُفزعة وتكشف الوجه الحقيقي لما تُسمى بـ"مؤسسة غزة الإنسانية (GHF)"، التي باتت أداة قذرة في يد جيش الاحتلال، تُستخدم لإيقاع المدنيين في كمائن الموت، تحت ستار العمل الإنساني.
وأوضح المكتب الاعلامي أن GHF تنشر "أكاذيب معلبة"، تزعم فيها أن المقاومة الفلسطينية تعرقل عملها، بينما في الواقع، تُدار المؤسسة من خارج القطاع بقيادة ضباط أمريكيين و"إسرائيليين"، وبتمويل أمريكي مباشر، وبالتنسيق الميداني مع الجيش "الإسرائيلي" الذي يُحكم حصاره على القطاع ويمنع دخول المساعدات منذ أكثر من 100 يوم.
وأضاف المكتب الاعلامي أن الاحتلال هو الطرف الوحيد الذي يغلق المعابر ويمنع أكثر من 55 ألف شاحنة مساعدات من الوصول إلى العائلات المنكوبة، وهو ما أكدته منظمات دولية كالأمم المتحدة، الصليب الأحمر، منظمة الصحة العالمية، وأوتشا.
وأشار إلى أن مؤسسة GHF تفتقر بالكامل لمبادئ العمل الإنساني، ولا تلتزم بالحياد أو الاستقلالية أو عدم الانحياز، وتعمل ضمن "أجندة أمنية إسرائيلية" لخدمة أهداف الاحتلال في إخضاع السكان وتجويعهم.
ولفت إلى أن المؤسسة تستخدم "طُعم المساعدات" لاستدراج المدنيين إلى مناطق خاضعة للسيطرة العسكرية، حيث تعرضوا لإطلاق نار مباشر، مما يُعد جريمة حرب مكتملة الأركان يُحاسب عليها القانون الدولي.
مجازر مُعدة بإحكام
وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي، فإن الاحتلال ينفذ جرائم ومجازر بحق الجوعى خارج تلك المراكز، بحيث يتم إعدادها والتخطيط لها بإحكام، ومنذ 100 يوم بدأت الأحداث بوصول عدد قليل من شاحنات مساعدات إلى مناطق مختلفة، لكنها وقعت تباعاً ضحية لاستهداف الاحتلال أو لسطو منظم نفذته عصابات مسلحة مدعومة ضمنياً من الاحتلال بهدف إشعال الفوضى الميدانية.
وعندما يتجمّع المواطنون المجوَّعون بحثاً عن الطحين والغذاء، تتقدم دبابات الاحتلال "الإسرائيلي" وطائراته المسيّرة من نوع "كواد كابتر" وتباشر بإطلاق نار كثيف ومباشر على المجوَّعين، وهذا تكرر بشكل دوري، ما أدى إلى سقوط آلاف الشهداء والمصابين في مشهد مُروّع.
ووفق المكتب الإعلامي الحكومي، فإن الاحتلال يرعى عمليات النهب والسرقة للطحين وللغذاء بشكل منظم وواضح، حيث وثّقنا آلاف الضحايا من شهداء ومصابين بينهم مئات الإصابات الخطيرة ومفقودين كذلك.
أحداث ضمن مخطط أوسع
ووفق الكاتب والمُحلل إسماعيل جمعة الريماوي فإن ما يحدث في محيط مراكز المساعدات الأميركية، يعتبر جزء من مشروع ومخطط واسع، يأتي في إطار المشروع الأكبر الذي يتضح أكثر يومًا بعد يوم، عبر تحويل القطاع إلى كيان منزوع الكثافة، مفكك الأحياء، مطارد الجغرافيا، بلا مركز ولا هوية مكانية واضحة، حيث تتحول «المساعدات» إلى وسيلة إعادة هندسة الساحة الميدانية ديموغرافيًا وجغرافيًا، بما يتواءم مع خطة الاحتلال لفصل شمال القطاع عن جنوبه، ثم تقسيم الجنوب نفسه إلى مربعات أمنية يسهل التحكم بها ومراقبتها، وعلى هذا الأساس، تبدو المجازر المرتبطة بمواقع توزيع المساعدات ليست انحرافًا عن المسموح في «الحرب»، بل هي جوهر التكتيك الإسرائيلي في هذه المرحلة: اغتال الجائع حين يمد يده للطعام، ثم قل للعالم إنك أرسلت له الإغاثة ولم يأتِ إليها بسلام.
ووفق الريماوي فإن ما يجري هو تحويل شامل للغذاء إلى سلاح تهجير لا يقل فتكًا عن البراميل المتفجرة، وهو استخدام مقصود وممنهج للجوع كأداة هندسة سكانية يراد بها تفريغ ما تبقى من القطاع، أو على الأقل إعادة ترسيم خطوط النفوذ والتحكم فيه بعدد أقل من البشر، وضمن مساحة أقل من الأرض.
كتب: محمد الجمل