شهد قطاع غزة من جنوبه حتى أقصى شماله، تصاعد كبير في العدوان الاسرائيلي خلال الأيام الماضية، مع شن حملة تدمير واسعة وممنهجة، طالت منازل، ومستشفيات، ومرافق بنية تحتية.
واستخدمت قوات الاحتلال كافة أدواتها الحربية وغير الحربية في حملتها المتواصلة على القطاع، بما في ذلك سياسة التجويع، والمجازر، وإطلاق العنان لبوق دعايتها الموجهة، التي تستهدف المواطنين في غزة عبر التأثير عليهم، ومحاولة فصل الشعب عن المقاومة، وكذلك تستهدف الحملة الدعائية الرأي العام العالمي، الذي انقلب عليها، ولم تنجح السياسات الدعائية في التأثير عليه.
احتلال نصف مساحة القطاع
وخلال الأيام الماضية توسع العدوان الإسرائيلي على القطاع بشكل تدريجي، وسيطر جيش الاحتلال على المزيد من الأراضي والمناطق في القطاع، خاصة في الشمال والجنوب.
فقد بات الاحتلال يُسيطر على مدينة رفح بالكامل، ومناطق شرق وجنوب خان يونس، مع إصدار أوامر إخلاء شمل أكثر من 80% من مساحة المحافظة.
وبالإضافة لذلك وسع الاحتلال عدوانه شرق مدينة دير البلح وسط القطاع، ووصلت الدبابات حتى حافة شارع صلاح الدين، بينما تتعمق العمليات البرية شمال القطاع، وتحديداً في منطقتي جباليا وبيت لاهيا، ويتوسع الاحتلال تدرجياً في تلك المناطق، ويٌسيطر على المزيد من الأراضي هناك.
ووفق مصادر مطلعة فإن مجموع المناطق التي يُسيطر الاحتلال عليها، أو أنذرها بالإخلاء، تجاوزت 62% من مساحة القطاع، بينما تم زج السكان البالغ عددهم اكثر من 2.3 مليون شخص في ثلاثة تجمعات رئيسية، وهي غرب مدينة غزة، ووسط القطاع، وفي مواصي خان يونس، بما لا يتجاوز 35% من مجموع مساحة القطاع.
وكانت القناة 12 العبرية"، نقلت عما وصفتها مصادر عسكرية إسرائيلية رفيعة قولها، أن جيش الاحتلال يسيطر حالياً على نحو 50% من مساحة قطاع غزة، بينما عملية "عربات جدعون"، ما زالت في بداياتها.
ووفق خبراء ومطلعون فإن الاحتلال يُعيد رسم الخارطة الديموغرافية لقطاع غزة على نحو خطير، وأخلى أكثر من نصف القطاع من السكان، ويواصل إصدار أوامر نزوح، تتسبب في إخلاء المزيد من الاحياء والمدن، وهذا يُنذر بالأسوأ.
وحذرت مختصون من مخاطر مُحتملة جراء التكدس الكبير للسكان في مناطق صغيرة سيئة الخدمات، مع انتشار النفايات الصلبة والمجاري في محيط المخيمات، ما قد يؤدي إلى انتشار أمراض خطيرة على نطاق واسع.
هجوم على المشاف
وكجزء من عمليات الاحتلال المُتصاعدة على القطاع، يشن جيش الاحتلال حالياً هجوم واسع وشامل على مشافي شمال القطاع، خاصة مستشفيات الإندونيسي، العودة، وكمال عدوان، وأخرج معظمها عن الخدمة، وواصل استهداف منشآتها، ما جعل مناطق شمال القطاع بلا خدمات صحية تقريباً، وحال دون تقديم العلاج للجرحى والمرضى.
واستهدفت طائرات الاحتلال مولدات الكهرباء، وخزانات الوقود، وخزانات المياه، ومستودعات الأدوية، في المشافي المذكورة.
ووفق وزارة الصحة في قطاع غزة، فقد تعمد الاحتلال خلال اليومين الماضيين استهداف المولدات الكهربائية للمستشفيات، الأمر الذي يُفاقم الوضع الكارثي في المستشفيات.
وأكدت الوزارة أن الاحتلال يهدف من تدمير الأنظمة الكهروميكانيكية الى إخراج المزيد من المستشفيات عن الخدمة، مؤكدة تعرض 3 مولدات كهربائية في المستشفى الاندونيسي للقصف، إضافة لخزانات الوقود.
وناشدت وزارة الصحة بغزة الجهات المعنية للضغط على الاحتلال لإدخال المولدات الكهربائية وتعزيز امدادات الوقود، ووقف استهداف المستشفيات.
تدمير واسع
وشنت طائرات الاحتلال حملة تدمير واسعة وممنهجة، استهدفت على وجه الخصوص مناطق جنوب وشمال القطاع.
ووفق مصادر محلية وشهود عيان، فإن قوات الاحتلال نفذت عدد كبير من الغارات الجوية، تركزت على مناطق: "عبسان الجديدة، المنارة، بني سهيلة، المنارة، قيزان النجار، البطن السمين، معن، والشيخ ناصر"، وجميعها تقع شرق ووسط وجنوب محافظة خان يونس، ومعظمها أخلاها سكانها في وقت سابق، حيث جرى التركيز على المنازل متعددة الطبقات، بالتزامن مع عمليات قصف وتدمير مماثلة شمال القطاع، في مناطق سبق وأصدر الاحتلال أوامر نزوح فيها.
وتسببت الغارات المذكورة في إجبار من تبقى من مواطنين على إخلاء منازلهم، خشية تكرار سيناريو ما حدث في منطقة الفخاري، جنوب شرق المحافظة، حيث قصفت الطائرات منازل مأهولة، لم يستجب سكانها لأوامر الإخلاء، ما تسبب بحدوث مجازر كبيرة، راح ضحيتها عشرات الشهداء والجرحى.
ووفق المواطن خليل طه، فإنه عايش سابقاً تجارب نزوح من مناطق عمليات عسكرية، موضحاً هذه السياسة باتت معروفة لدى الجميع، وهي تسبق تنفيذ عمليات برية في مناطق يتم إنذارها بالإخلاء، وهذا السلوك الإسرائيلي له هدفان، الأول إجبار من تبقى من مواطنين في تلك المناطق على النزوح، وبالتالي تفريغ هذه المناطق من السكان، والأمر الثاني وفق المواطنين، يهدف لتدمير المنازل المرتفعة، والتي تخشى قوات الاحتلال من استخدامها من قبل مقاتلين، سواء في مراقبة الآليات، أو نصب شراك وكمائن فيها، وبالتالي تأمين مُسبق للقوات التي تنوي دخول تلك المناطق.
تقسيم القطاع
كما يُواصل جيش الاحتلال فرض وقائع جديدة على الأرض في قلب قطاع غزة، مع تعميق العمليات البرية مؤخراً.
ومن خلال خرائط الإخلاء الجديدة، التي بدأ الاحتلال بتعميمها مؤخراً، يتضح نية جيش الاحتلال إنشاء محاور فصل جديدة بين محافظات القطاع.
وصدرت مؤخراً أوامر نزوح جديدة، طالب الاحتلال من خلالها المواطنين القاطنين في 17 مربعاً سكنياً في شمال القطاع بإخلاء منازلهم على الفور، والنزوح جنوباً.
ووفق خارطة الإخلاء الجديدة، يظهر أن الاحتلال بدأ فعلياً بتطويق شمال قطاع غزة، وإعادة إقامة محور فصل جديد "ميفلاسيم"، يفصل مناطق شمال القطاع عن جنوبه، وكان توقف العمل في هذا المحور خلال التهدئة الأخيرة.
في حين تتقدم قوات الاحتلال في محور جديد يقع بين محافظتي خان يونس، ووسط القطاع، وكان قديما يُسمى "محور كيسوفيم"، حيث وصلت الدبابات على مقربة من شارع صلاح الدين، وحال أكملت سيرها باتجاه "ميناء القرارة"، يكون حدث فصل شامل بين وسط القطاع وجنوبه، وهو ما أكدته وسائل اعلام إسرائيلية، بأن الجيش يخطط للسيطرة على محور "كيسوفيم"، وسط القطاع.
بينما مازالت قوات الاحتلال تُسيطر على القاطع الشرقي من محور "نتساريم"، وتمنع المواطنين من التحرك على شارع صلاح الدين، ولا يفصل الدبابات عن شاطئ البحر سوى بضعة كيلو مترات، وحال وصلت تكون أعادت سيطرتها على محور "نتساريم"، بالكامل، وفصلت بشكل فعلي شمال القطاع عن وسطه وجنوبه.
ووفق محللون وخبراء، فإن الاحتلال يُخطط لإقامة 5 محاور فصل في قطاع غزة ضمن خطة موازية لعملية "مركبات جدعون"، تسمى "خطة الأصابع الخمسة"، وتهدف لإقامة 5 محاور فصل في القطاع، تبدأ من الجنوب بمحور "فيلادلفيا"، الذي يفصل القطاع عن مصر والعالم، ثم محور "موراغ"، ويفصل محافظة رفح عن جارتها خان يونس، ومحور "كيسوفيم"، ويفصل خان يونس عن محافظة وسط القطاع، يليه محور رابع "نتساريم"، وبفصل جنوب ووسط القطاع عن شماله، ومحور فصل أخير يُسمى "ميفلاسيم"، ويفصل محافظة شمال القطاع عن مدينة غزة.
وبحسب المحللون ن فإن هدف إقامة هذه المحاور تُعد جزء من خطة إسرائيل الكبرى، لتحويل القطاع لكنتونات منفصلة ومعزولة، ما يُسهل السيطرة الأمنية عليه، والوصول لكافة المناطق داخل القطاع بسهولة وسرعة، كما الحال في الضفة الغربية.
كتب: محمد الجمل