أيقونة العملات

العملات

الدولار اليوم
اليورو اليوم
أيقونة الطقس

الطقس

أيقونة الإشعارات

اشعارات

غزة

يحيى صبيح... حارس الحقيقة الذي ودّع الحياة قبل أن يسمّي طفلته

7 مايو 2025

غزة_فلسطين بوست_ محمد معين نشبت

في أرضٍ اعتادت أن تدفع ثمن الحقيقة دمًا، كان يحيى صبيح أحد أولئك الذين اختاروا الكاميرا درعًا، والكلمة سلاحًا.

لم يسعَ يحيى إلى أضواء الشهرة، ولا طمح إلى مجدٍ زائل. كل ما أراده كان عدسة تُنصف المقهورين، وحكاية تروي وجع وطنٍ يُناضل ليُسمع صوته

واليوم، غاب يحيى عن الصورة... تاركا خلفه أثرًا لا يُمحى، ووطفلة وُلدت مع صوته الأخير، لكنها لن تسمع صوته يُنادِيها

يحيى صبيح شهيد الكاميرا وحارس الحقيقة 

مرة أخرى، تطحن آلة الحرب أرواحًا لم تحمل سوى عدسة الكاميرا وقلم الحقيقة. في غزة، حيث يسجل الرصاص انتصاراته على جبهة الإنسانية، يرتقي الصحفيون شهداء الواجب والكلمة، بينما يقرأ العالم الخبر بعين عابرة وكأنه رقم يضاف إلى ركام الأرقام.  

تحت القصف، لا يفرق نار الحديد بين صحفي يوثق المعاناة وطفل يحلم بالحياة، هؤلاء هم الذين رفضوا أن تنسى قصص الظلم، فدفعوا حياتهم ثمناً لإضاءة الزوايا المظلمة بالكلمة والصورة. فماذا تبقى للحقيقة إذا انطفأت أصوات من يروونها؟  

 شهيد آخر على طريق الحقيقة

في مشهد يجسد مأساة الصحفيين في غزة، استشهد الصحفي يحيى صبيح (31 عاماً) اليوم بعد قصف إسرائيلي استهدف محيط مطعم بالميرا وسط غزة أثناء قيامه بمهامه الصحفية، تاركاً زوجة وثلاثة أطفال، أصغرهم طفلة وضعتها زوجته صباح اليوم الأربعاء السابع من مايو/ أيار الحالي ولم يسنح له الوقت ليختار لها اسماً أو حتى "يفرح بها" كما يقول أحد أصدقائه المقربين.

ينتمي الشهيد الذي اكتوى بنار الحرب شمال القطاع، إلى جيل الصحفيين الذين جمعوا بين العمل الميداني والإنتاج الإعلامي، حيث عمل مراسلاً صحفياً وتميز بمهاراته في المونتاج، وأنتج عشرات المواد التي جسدت معاناة أهالي القطاع تحت الحصار والقصف. لم تكن هذه أولى محطات المعاناة ليحيى، فقد نزح عدة مرات مع عائلته هرباً من القصف، وسبقه أخوه إلى الشهادة في ظروف مماثلة.

يقف زملاؤه اليوم أمام جسده في لحظة وداع أخيرة، يروون قصة زميل لم يستسلم، وظل حتى آخر لحظة ممسكاً بالكاميرا، بينما تحول فرح عائلته بمولودتهم الجديدة إلى مأتم، في مشهد يلخص المأساة الإنسانية للصحفيين الفلسطينيين الذين تحولت مهنتهم إلى "بطاقة استشهاد" كما يصفها زملاء الشهيد.

يترك يحيى وراءه إرثاً إعلامياً غنياً، وأرشيفاً من اللحظات المؤلمة التي وثقها، كان آخرها تلك التي سجلها قبل ساعات من استشهاده، لتكون عين الكاميرا التي حملها حتى الرمق الأخير شاهدة على أن بعض الشهداء يتركون أكثر من مجرد ذكرى.. يتركون ضميراً حياً.

الاستهداف الممنهج للصحفيين في غزة: أرقام صادمة تكشف حجم الجرائم

في الثالث من مايو/أيار، احتفل الصحفيون حول العالم بـ"اليوم العالمي لحرية الصحافة"، بينما كانت غزة تُكمل فصلًا من مأساة لم يشهد التاريخ مثيلاً لها. فبينما تُرفع الشعارات عن حرية نقل الحقيقة، يسقط الصحفيون الفلسطينيون شهداءَ بأعداد قياسية تحت نيران الاحتلال الإسرائيلي، الذي حوّل مهنة الصحافة إلى جريمة عقابها الموت.  

وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن المؤسسات الفلسطينية والدولية:  

- ارتفع عدد شهداء الصحفيين إلى 214منذ بدء العدوان على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، في أعلى حصيلة لاستهداف الصحفيين منذ بدء التسجيلات العالمية عام 1992.  

- 409 صحفياً أصيبوا بجروح متفاوتة الخطورة، بعضهم فقدوا أطرافهم واستمروا في العمل رغم الإصابات.  

- 48 صحفياً ممن عرفت أسماؤهم تعرضوا إلى الاعتقال من قبل الاحتلال الإسرائيلي دون محاكمة ضمن ما يعرف بقانون المقاتل غير الشرعي. 

استهداف ممنهج للمؤسسات الإعلامية

تشهد غزة واحدة من أشرس الحملات ضد المؤسسات الإعلامية في التاريخ الحديث، وفقا لمكتب الاعلام الحكومي تعرضت 143 مؤسسة إعلامية للاستهداف المباشر منذ بدء العدوان لم يسلم من هذا الدمار أي مكون من مكونات المشهد الإعلامي، بدءاً من 12 صحيفة ورقية و23 صحيفة إلكترونية، مروراً بـ11 إذاعة محلية و4 قنوات فضائية، ووصولاً إلى مقرات 12 قناة عربية ودولية.  

لم تتوقف آلة الحرب عند المؤسسات الإعلامية فحسب، بل امتدت لتطال البيوت الشخصية للصحفيين، حيث دمرت 44 منزلاً، كما أتلفت معدات بث متطورة وسيارات نقل مباشر ومطابع كاملة. وفي سياق متصل، ارتقى21 ناشطاً إعلامياً شهداء أثناء قيامهم بنشر التغطيات الإخبارية عبر منصات التواصل الاجتماعي، التي شهدت بدورها حجباً ممنهجاً لعشرات الحسابات والمنصات الرقمية تحت ذرائع واهية.  

في ظل هذا الدمار الشامل، يقدر مكتب الاعلام الحكومي خسائر القطاع الإعلامي في غزة بأكثر من 400 مليون دولار، في مشهد يؤكد أن الحرب لم تستثن أي عنصر من عناصر العمل الإعلامي، بدءاً من البنى التحتية ووصولاً إلى العنصر البشري، في محاولة واضحة لإسكات الصوت وإطفاء عدسة الكاميرا. ورغم كل هذا الدمار، يواصل الصحفيون في غزة مهمتهم بنقل الحقيقة، مستخدمين أبسط الإمكانيات، في تحد ثابت لكل محاولات طمس الرواية الفلسطينية.

اليوم، لم يعد السؤال عن "حرية الصحافة" في غزة، بل عن بقاء من يمارسونها على قيد الحياة. فكل كاميرا تُحطم، وكل قلم يُكسَر، وكل صحفي يُستشهد، هو فصل جديد في سجل مقاومةٍ تثبت أن الحقيقة قد تُجرح، لكنها لا تموت.