شهد الصيف الحالي انتكاسة مفاجئة في جودة مياه البحر في قطاع غزة، حيث ارتفعت معدلات تلوث البحر بصورة كبيرة، ما شكل خطراً على صحة وسلامة المصطافين، خاصة ممن يمارسون السباحة في مياه البحر.
فبعد أن تراوحت نسب تلوث البحر ما بين 20-30% خلال السنوات الثلاث الماضية، عادت وارتفعت لتتراوح ما بين 60-70% هذا العام، مع وجود تلوث لكامل شاطئ بحر رفح، وأجزاء كبيرة من شاطئ محافظة خان يونس، إضافة لتلوث أكثر من نصف شاطئ مدينة غزة، ومناطق واسعة وسط القطاع وشماله.
ونشرت وزارة الصحة وسلطة جودة البيئة بالتعاون مع جهات أخرى في قطاع غزة، خرائط تفصيلية، توضح بدقة مناطق التلوث، إذ اعتمدت في الشرح على ثلاثة ألوان، فقد مثل اللون الأحمر أعلى درجات التلوث، وشمل شاطئ محافظة رفح بالكامل، وجزء كبير من محافظة خان يونس، أجزاء من شواطئ وسط القطاع، ومدينة غزة، في الشمال، واعتبرت هذه المناطق بمثابة أماكن محظور السباحة فيها بالكامل.
فيما طهرت في الخرائط مناطق ملونة باللون الأصفر، ويعني تلوث متوسط، ويحظر السباحة فيه أيضاً، وشمل أجزاء من شواطئ خان يونس، ووسط القطاع، وكذلك أجزاء من شاطئ مدينة غزة والشمال.
وجاءت بعض المناطق مرموز لها باللون الأخضر وهو المناطق المسموح السباحة فيها، وبدت نسبتها الأقل من بين الألوان الأخرى، وتركز في مناطق وسط قطاع غزة، وعند الحدود الشمالية للقطاع.

مراحل تلوث بحر غزة
وتلوث مياه البحر هي ظاهرة من صنع البشر، تنجم عن تصريف وضخ كميات كبيرة من مياه الصرف الصحي في البحر دون معالجة، ما يحول لون المياه في بعض المناطق إلى اللون البني، ويجعلها مناطق موبوءة، قد تصيب المستجمين خلال سباحتهم بالأمراض.
ومر تلوث بحر غزة بثلاث مراحل رئيسية، الأولى منذ العام 2008 وحتى العام 2019، وهي الفترة الأسوأ، حيث وصلت نسبة تلوث مياه في بعض السنوات إلى 75%، ونتجت عن تصريف مياه المجاري في البحر دون معالجة، والمرحلة الثانية من العام 2019 -2022، وتعتبر الفترة الذهبية، حيث جرى إقامة محطات معالجة لمياه الصرف الصحي بمواصفات عالمية، وكان يجري ضخ جزء من مياه الصرف الصحي في البحر بعد معالجتها، وتنظيفها، ثم جاءت المرحلة الحالية، والتي شهدت عودة مؤشر التلوث للارتفاع من جديد.
لماذا ارتفعت نسب التلوث مجداً؟
وشرح المهندس سعيد العكلوك مدير قسم الصرف الصحي والنفايات الصلبة في وزارة الصحة بغزة، أهم أسباب التلوث الحالي، موضحاً أن كفاءة محطة المعالجة المركزية جنوب قطاع غزة، "محافظة رفح"، تراجعت على نحو سريع وحاد، بحيث باتت مياه الصرف الصحي تخرج منها كما دخلتها تقريباً، وهذا أدى الى ضخ مياه غير معالجة في البحر، وبالتالي حدوث تلوث امتد لأكثر من 15 كيلو متر شمالاً، ووصل حتى شمال شاطئ خان يونس، وقد تسببت تيارات الحمل البحرية، التي تتحرك من الجنوب باتجاه الشمال في سرعة انتشاره.
وبين العكلوك في حديث مع "فلسطين بوست"، أسباب أخرى للتلوث المذكور، من بينها انتشار مزارع لتربية الأسماك، تعتمد على مياه البحر المالحة، حيث تقوم هذه المزارع بتجديد المياه في برك الأسماك، فتخرج مياه ملوثة وتعيد ضخها في البحر، ما يسهم في زيادة بقع التلوث، وتم إخطار أصحاب بعض المشاريع بشكل رسمي، بالبحث عن حلول لمياههم العادمة، بعيداً عن تلويث البحر.
جهود لعلاج المشكلة
وأكد أن هناك جهود كبيرة تبذل حالياً لحل المشكلة، وضمان تراجع نسب التلوث، وتم اقتراح حلول من بينها تحويل مياه الصرف الصحي من مدينة رفح لمحطة معالجة المياه العادمة في منطقة الفخاري بمحافظة خان يونس، وهي محطة كبيرة، ذات قدرات متطورة، وتم انشائها منذ زمن غير بعيد، لكن الأمر معقد وبحاجة الى جهد وتكاليف عالية، إلى أن تقرر في نهاية الأمر إنشاء محطة جديدة بجوار القديمة، تكون بمواصفات حديثة وكفاءة أعلى، وهناك جهود واتصالات لإقامة تلك المحطة، آملاً أن يحدث ذلك في أسرع وقت ممكن.
مخاطر التلوث
من جهته أكد الدكتور أحمد حلس الخبير في الشأن البيئي، رئيس المعهد الوطني للبيئة وللتنمية، أن مشكلة تلويث بحر غزة بمياه الصرف الصحي ليست جديدة، فيوميا يتم ضخ نحو 110 ألف متر مكعب من مياه المجاري في البحر، باختلاف نسب معالجتها من عام لعام، وفق وضع المحطات، وفترات تشغيلها.
وأكد أنه أجرى وأشرف شخصياً على العديد من الدراسات التي نفذت سابقاً، لقياس تأثير التلوث على مياه البحر، وعلى المصطافين، وكانت النتائج صادمة ومحزنة، إذ كشفت نتائج الدراسات عن انتشار لطفيليات معوية، وجراثيم في مياه البحر، منه على سبيل المثال "Giardia lamblia"، و"البوغيات الخفية Cryptosporidium sp.oocyst" والعدوى الأميبية Entamoeba histolytica وجميعها آدمية معدية، مسببة للمغص، والإسهال، والنزلات المعوية، من الممكن أن تنتقل للمصطافين، سواء خلال السباحة، أو غسيل اليدين والأواني بمياه البحر، أو حتى ملامسة الرمال التي تكون عرضة لوصول مياه البحر اليها.
وأشار الدكتور حلس إلى أن الحديث عن وجود منطقة ملوثة وأخرى آمنة شيء غير علمي، فالتلوث لا يبقى محصوراً في مكان، فحركة البحر والتيارات مستمرة، ما يعني أن انتشار التلوث أمر وارد، لذلك يجب العمل على إنهاء هذه الظاهرة، وجعل البحر نظيفاً آمنا للمصطافين، فالتلوث يؤثر أيضاً على الأسماك التي يتم صيدها وأكلها، ويجعلها مليئة بالمعادن الثقيلة الضارة للإنسان.
مصطافون في خطر
ورغم نشر الخرائط التفصيلية التي توضح مناطق التلوث، والطلب من المصطافين تجنب دخول البحر في تلك المناطق، إلا أن الشاطئ من مدينة رفح جنوباً وحتى مناطق جباليا وبيت لاهيا أقصى الشمال، شهد تدفق أعداد كبيرة من المصطافين، وصل في يوم واحد إلى نصف مليون مستجم، وكانت المياه ممتلئة بالفتية والأطفال والنساء والرجال من مختلف الأعمار، ممن وجدوا في مياه البحر وسيلة للاستبراد في ظل الارتفاع الكبير على درجات الحرارة.
ويقول المواطن إبراهيم فرج، إنه جاء للبحر وهو يعلم أنه ملوث، لكن في قطاع غزة المحاصر لا يوجد متنفس غيره، لذلك حاول البحث عن منطقة نظيفة، واتجه شمالا لشاطئ محافظة حان يونس، وطلب من أبنائه السباحة لوقت قصير، مع إعطائهم تعليمات بتجنب بلع مياه البحر، وغسيل الجسم بالمياه الحلوة فور الخروج من البحر.
ونوه إلى أن جعل البحر نظيفاً خالياً من التلوث هي مسؤولية الجهات الحكومية، فعليها أن تمنع تلوث مياه البحر، وتوفر أجواء اصطياف آمنة للمواطنين.
أما المواطن عبد الله نصر، فأكد أنه ما يزال يعاني من تبعات رحلة بحرية اصطحب خلالها اطفاله، إذ سبح الأطفال أكثر من أربع ساعات في مياه علم لاحقاً أنها ملوثة، لافتاً إلى أنه وبمجرد عودتهم للمنزل، بدأت اعراض نزلات معوية لديهم مصحوبة بقيء وإسهال، وارتفاع في درجات الحرارة، موضحاً أنه يرجح أن يكونوا تعرضوا لتلوث من البحر أدى إلى إصابتهم بنزلات معوية.
ولفت إلى أنه قرر أن لا يتوجه للبحر مجدداً، وفي حال فعل فسيكتفي بالجلوس على رمال الشاطئ دون السماح لأبنائه بالسباحة، فالمياه ملوثة والاقتراب منها خطر.
كتب: محمد الجمل