أيقونة العملات

العملات

الدولار اليوم
اليورو اليوم
أيقونة الطقس

الطقس

أيقونة الإشعارات

اشعارات

غزة

غزة: مهن الصيف الشاقة تُرهق الأطفال في عطلتهم وتسلبهم حقوقهم وتدمر سلوكياتهم

12 يوليو 2023

لم تعد العطلة الصيفية حدثاً سعيداً لدى الكثير من الأطفال في قطاع غزة، فقد تحول هذا الفصل لكابوس مرهق يحمل معه المعاناة والمشقة، بعد أن أُجبر عشرات بل مئات الأطفال للتوجه إلى الشوارع، وشاطئ البحر، وكذلك البساتين لتكون أماكن يعملون فيها، لتحقيق دخلاً يعيلون به أسرهم وأنفسهم.

ولوحظ هذا العام تزايد كبير في ظاهرة عمالة الأطفال، إذ يُشاهد أطفال لا يتجاوز أعمار بعضهم الثامنة، يعلمون في مختلف المهن، وبعضهم يعمل في ظل ظروف عصيبة وشاقة، وعدد كبير منهم مكرهون على ذلك.

1E3A7232 copy

باعة متجولون في غزة

وباتت إشارات المرور، والأسواق، إضافة لشاطئ البحر أماكن مفضلة يتواجد فيها الباعة المتجولين من الأطفال، يحملون سلعاً بسيطة، محاولين بيعها، تارة بعرضها على الزبائن، وتارة أخرى بالإلحاح عليهم من أجل الشراء.

الطفل عبد الله حماد "11 عاماً"، يعمل برفقة شقيقه الذي يكبره بعامين عشر ساعات يومياً على شاطئ البحر، يبيعون البراد، والمسليات على المصطافين، بديا وقد احترق وجهيهما من أشعة الشمس، ونحل جسديهما الصغيرين من مشقة السير على رمال الشاطئ لساعات طويلة.

عبد الله، الذي كان يجلس مستظلاً ببرج إنقاذ بحري خشبي مُقام على الشاطئ، محاولاً التقاط أنفاسه وأخذ قسط من الراحة، أكد أنه للعام الثالث على التوالي يقضي عطلة الصيف على شاطئ البحر، وبات يحلم في اليوم الذي يعاد فيه افتتاح المدارس، لينتظم في دراسته ويستريح من هذا العناء.

وأوضح أن أفضل يوم لا يحقق خلاله أكثر من 15 شيكل، وأحياناً يعود إلى المنزل وقد حقق نصف المبلغ المذكور وربما أقل، وكذلك شقيقه، لافتاً إلى أن والدهم يعمل على بسطة على الشاطئ، فجميعهم يعملون لإعالة أسرتهم الكبيرة.

fwoZP

بائع النعناع الصغير

وبعيداً عن الشاطئ، يعمل مئات الأطفال في الشوارع والأسواق، وكذلك قرب إشارات المرور، يبيعون النعناع، والمعجنات، والمياه الباردة والغازية، إذ يقول الطفل محمود حسونة، وكان يبيع حزماً من النعناع والتوابل الخضراء، في إحدى أسواق جنوب القطاع، إنه يستيقظ مبكراً، ويجهز بسطة النعناع، والبقدونس، ثم يضعها في حاوية بلاستيكية صغيرة، ويبدأ التنقل في السوق، وكلما شاهد متسوق يلحق به ويطلب منه شراء النعناع أو البقدونس.

ويواصل الطفل حسونة رش خضرواته بالمياه الباردة بين الفينة والأخرى، في محاولة للحفاظ عليها، ومنع اصابتها بالدبلان، ما يجعل الزبائن يحجمون عن شرائها، موضحاً انه يعمل طوال العطلة الصيفية، وفي الإجازات، وما يحققه من عائد يومي يدخره، لشراء احتياجات المدرسة من كسوة وقرطاسية له ولأشقائه.

A51B55F8-D366-4CD1-86B6-4D2792BA01A1مُكرهون على العمل

في حين يقول الطفل "إبراهيم"، ورفض ذكر اسمه كاملاً، أن والده يجبره وأشقائه الثلاثة على العمل خلال عطلة الصيف طباعة متجولين، ويُبرر ذلك بالظروف العصيبة التي تعيشها أسرته، وحاجتهم الماسة للمال، كما أنه يحاول تعليم أطفاله وتعويدهم على بعض الأعمال الشاقة، ليكونوا قادرين على مواجهة أية ظروف صعبة قد تعصف بهم مستقبلا، على حد قوله.

1e9459d023ff84f6ceb589e37ffcf3871

عمال في البساتين

ولم يقتصر عمل الأطفال على مهنة الباعة المتجولون، إذ توجه بعضهم للعمل في مجال الزراعة، إما كعمال، أو في جمع ثمار نبات التين الشوكي "صبار"، ومن ثم بيعه في الأسواق.

ويسبق الطفل أحمد المصري الشمس في طلوعها، للوصل الى أماكن تواجد نباتات التين الشوكي جنوب قطاع غزة، بهدف جمع الثمار الناضجة، إذ أن الثمار ذات الأشواك الناعمة تكون مبللة بقطرات الندى في الصباح الباكر، ما يسهل قطفها دون أذى، لكن بعد ساعات قليلة تصبح العملية شديدة الخطورة، إذ تتسبب الرياح وأشعة في تطاير الأشواك بمجرد لمسها، وتنغرس في الجسم وربما العينيين.

ويقول المصري: " بعد أن أنتهي أنا وشقيقي من قطف الثمار، نقوم بكنسها من الأشواك، بواسطة عشبة برية تنمو قرب الصبار "شجرة المكنسة"، ثم نضعها في عبوات بلاستيكية "جراكل"، ونقلها للأسواق بهدف بيعها، موضحاً ان منتهم قصيرة، إذ ينتهي موسم الصبار في النصف الأول من شهر آب القادم.

وبيّن أن مهنته شاقة وخطرة، ويواجه متاعب كبيرة خلال جني الصبار، منها طردهم من قبل أصحاب الأراضي، كما أن كميات الصبار في القطاع تتناقص عام بعد عام، نتيجة الزحف العمراني، وتجريف واقتلاع النباتات.

20180724_135741

مخالفة للقانون

وتحظر القوانين الدولية والمحلية عمالة الأطفال، إذ حظرت المادتين 14 و93 من قانون العمل الفلسطيني، تشغيل الأطفال دون سن الخامسة عشرة؛ ويسمح بعمل الأطفال من 15-17 سنة بشروط معينة، منها أن لا تكون هذه الأعمال خطرة، وأن تكون ساعات العمل قصيرة، وتوفير الكشف الطبي للأطفال كل 6 أشهر، وقد تم تعديل قانون الطفل الفلسطيني، وإدراج عمل الطفل لدى الأقارب من الدرجة الأولى فقط، بشرط أن لا يقل سنه عن العمر المذكور.

كما نص البند الثالث من المادة 10 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966 "وجوب اتخاذ تدابير حماية ومساعدة خاصة لصالح جميع الأطفال والمراهقين، دون أي تمييز بسبب النسب أو غيره من الظروف، ومن الواجب حماية الأطفال والمراهقين من الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي، كما يجب جعل القانون يعاقب على استخدامهم في أي عمل من شأنه إفساد أخلاقهم، أو الإضرار بصحتهم، أو تهديد حياتهم بالخطر، أو إلحاق الأذى بنموهم الطبيعي.. وعلى الدول أيضًا أن تفرض حدودًا دنيا للسن، يحظر القانون استخدام الصغار الذين لم يبلغوها في عمل مأجور، ويعاقب عليه."

يذكر أن العديد من المؤسسات المعنية بحقوق الانسان، كانت حذرت من عمالة الأطفال، ودعت الجهات المعنية لمراقبة المشاغل والمصانع وحتى الشوارع والشواطئ، لمنع استغلال الأطفال ممن هم دون السن القانونية في العمل.

كما اشتكى مواطنون من تحول عمالة الأطفال إلى ظاهرة "التسول المقنع"، إذ يقوم بعض الأطفال من الباعة بالإلحاح وبشدة على المواطنين من أجل الشراء، وبعضهم يطلقون عبارات التسول وقد يبكون، في محاولة للتأثير على الشخص من أجل الشراء منه.

1E3A7306 copy

ظاهرة خطيرة

من جانبه أكد الاختصاصي الاجتماعي صبحي فرحات، ويعمل في عيادة رفح النفسية، أن ظاهرة عمالة الأطفال هي ظاهرة عالمية، ولا تقتصر على فلسطين فقط، ولها أسباب ودوافع كثيرة، أهمها أن بعض الآباء يرسلون أطفالهم للعمل كباعة، بهدف كسب المال، ويطلبون منهم الإلحاح على المواطنين والمصطافين بهدف الشراء، وكأن الأمر بات يشبه التسول المبطن، وهذا يعتبر استغلال لبراءة الأطفال وسلوك اجتماعي مرفوض.

ووفق فرحات فقد تحولت الأمر إلى ظاهرة، فالباعة من الأطفال ينتشرون في الكثير من مناطق القطاع، ويتركز وجودهم في الأسواق الشعبية، وقرب المفارق وعلى

وأكد فرحات أن مثل هذه الظاهرة تحمل في طياتها خطورة بالغة على الأطفال، وتكسبهم عادات سلوكية خطيرة، وتحرمهم من حقهم الطبيعي في اللعب والاستمتاع بالعطلة الصيفية، كما أن وجود المال في يد الطفل، قد يدفعه للتدخين أو حتى تعاطي مواد مخدرة، وهذا يؤثر سلبا على بنية الأسرة والمجتمع ككل، ويمنحنا شاب غير سليم، من الممكن أن يكون أداة تدمير لا بناء داخل المجتمع.

وطالب فرحات بعض الآباء بالتوقف عن إرسال أبنائهم للعمل طباعة، وتحمل المسئوليات كأولياء أمور، والعمل من أجل توفير لقمة عيش كريمة لأبنائهم.

ووفق بيانات بيانات واحصاءات "الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني" الصادرة في شباط 2023 (النتائج الاساسية لمسح القوى العاملة، للعام 2022)؛ وجاء فيها: "حوالي 2.5% نسبة الأطفال العاملين في الفئة العمرية (10-17) سنة خلال 2022؛ وذلك بواقع 3.8% في الضفة الغربية؛ و0.9% في قطاع غزة.

كتب: محمد الجمل
اقرأ أيضًا: دعوات لتجريم عمالة الأطفال ومحاسبة المتورطين بها