ما إن دخلت التهدئة حيز التنفيذ صباح الأحد الماضي، وبدأ المواطنون بالوصول لمحافظة رفح، جنوب قطاع غزة، حتى بدأت تتكشف صورة الدمار الواسع وغير المسبوق في المدينة.
دمار غير مسبوق
العائدون إلى مدينة رفح، وتحديداً للمناطق التي تمكن عشرات الآلاف من الوصول إليها، وسط وغرب وشمال المدينة، شعروا بصدمة، وحالة من الذهول، بسبب حجم الدمار الكبير الذي شاهدوه، خاصة في الحي السعودي، وحي تل السلطان، وحي الجنينة، وأجزاء واسعة من مخيم الشابورة، مع مشاهدة دمار كامل في مخيمات جنوب رفح.
وأكد المواطن محمود طه، أنه كان يتوقع أن يُشاهد حجم دمار كبير في رفح، لكن ما شاهده كان أكبر وأعمق بكثير من توقعاته، وهو دمار أوسع مما حدث في مدينة خان يونس، أو أي منطقة في قطاع غزة.
وأوضح أنه جال مخيم الشابورة، وحي الجنينة، والحي السعودي، وأينما دخل منطقة شاهد فيها دمار غير مسبوق، وكأن زلزال ضربها، لدرجة أن حجم الدمار غير معالم بعض المناطق في رفح، وجعل من الصعوبة التعرف عليها.
وأكد أنه بات من السهل مشاهدة محور صلاح الدين من منتصف حي الجنينة، وهي علامة على حجم الدمار، حيث لا يوجد مبنى واحد على مسافة مئات الأمتار، قد يمنع أو يُعيق مجال الرؤية.
في حين أكد المواطن مصطفى العبسي، أنه وصل إلى حي تل السلطان غرب رفح، مع الساعات الأولى من دخول الاتفاق حيز التنفيذ، وشاهد دمار وخراب لم يُشاهده في أي منطقة في القطاع، فالمنازل تحولت إلى أكوام من الركام.
وأوضح العبسي لـ"فلسطين بوست"، أنه شاهد منزله مُدمر، فأربع طبقات من الخرسانة، كانت تضم 8 شقق سكنية، يعيش فيها والده وأشقائه، وأبنائهم وزوجاتهم، أصبحت عبارة عن كومة من الركام، والحال نفسه حدث مع جيرانه، وأغلب سكان الحي.
وأكد أن الحي السعودي المجاور شهد دمار مشابه، وكذلك جنوب المدينة ووسطها وشرقها.
وأوضح أن الناس في رفح لم يكن لهم حديث سوى حجم الدمار غير المتوقع داخل رفح، وغالبيتهم عادوا وهم يحملون الهم والحزن، بعد أن شاهدوا بيوتهم تحولت إلى أكوام من الركام.
وأعلنت بلدية رفح، أن المدينة أصبحت منكوبة بالكامل، وأن حجم الدمار الذي لحق فيها هو الأكبر في تاريخها، حيث تسببت آلة الحرب الإسرائيلية في تدمير المنازل، والبنية التحتية.
وباشرت البلدية وجهات خدماتية أخرى، بأعمال تجريف، في محاولة لفتح بعض الطرقات، لتيسير الحركة على المواطنين في بعض الأحياء التي شهدت عودة للسكان.
رفاة في كل مكان
ولليوم الثالث من دخول اتفاق التهدئة حيز التنفيذ في قطاع غزة، مازالت مئات الجثامين للشهداء تملأ الشوارع والمنازل، ومعظمها إن لم يكن جميعها، عبارة عن هياكل عظمية، وعظام متناثرة هنا وهناك.
ونجحت فرق الدفاع المدني في قطاع غزة، بانتشال المئات من الجثامين من داخل مدينة رفح، ومناطق شمال القطاع، معظمها لم يتم التعرف عليها.
ووفق مواطنون فإن مدينة رفح، خاصة حي تل السلطان، ومناطق شمال غرب المحافظة، ومخيم الشابورة، كانت عبارة عن مقبرة للشهداء، والجثامين في كل مكان.
وقال المواطن عبد الكريم أشرف، إنه وصل مدينة رفح، من الناحية الشمالية الغربية، ودخل الحي السعودي، ثم حي تل السلطان، وصولاً لمخيم الشابورة، ومركز المدينة، وشاهد خلال رحلته العشرات من الجثامين في كل مكان، معظمها كانت مُتحللة، وبعضها كانت عبارة عن أجزاء من هياكل عظمية، خاصة الجمجمة، وبعض العظام فقط، وبعض الشهداء بجانبهم ملابس وأغطية، كانوا يحاولون الخروج بها من رفح، قبل أن يتم استهدافهم.
وأكد أن ذوي المفقودين كانوا يحاولون التعرف على هوية الجثامين، وكانوا يعتمدون على الملابس التي كان يرتديها الضحية لحظة استهدافه، والأمر لم يكن سهلاً، خاصة بعد مرور عدة أشهر على ارتقاء الضحايا.
وقالت المواطنة أم وليد أبو جليلة، إنها توجهت إلى حي تل السلطان، حيث استشهد نجليها، برفقة أبناء شقيقها الاثنين وابن زوجها، وبحثت على مدار عدة أيام عن جثامينهم، وعاينت أكثر من رفاة لشهيد، حتى استطاعت التعرف عليهم، من خلال بعض المتعلقات، منها الملابس، والأحذية، وحاجيات كانوا جلبوها من منزل العائلة قبل استهدافهم.
وأكدت أنها صدمت حين شاهدت الجثامين تحللت بالكامل، وأصبحت مُجرد عظام ورفاة، رغم ذلك عملت على نقلها، ومواراتها الثرى في المقبرة.
مناطق عازلة
وفرضت قوات الاحتلال ما يشبه الحصار بالنار، على النصف الجنوبي من محافظة رفح، حيث يقع محور صلاح الدين الحدودي مع مصر "فيلادلفيا"، وهو الخط الممتد على طول الحدود مع مصر، وأطلقت النار تجاه كل شخص حاول الوصول حتى مسافة 1 كيلو متر شمال المحور.
ويبدو أن الاحتلال كان يستعد لمثل هذا السيناريو من عودة النازحين، وعمل على منع وصولهم لمناطق جنوب رفح، خاصة مخيمي يبنا، والشعوت، وبوابة صلاح، وحيي البرازيل والسلام، وجميعها تقع جنوب رفح.
ونصبت قوات الاحتلال أبراج آلية "رافعات"، على طول محور صلاح الدين، جميعها مُزودة برشاشات، وبنادق قنص، كانت تُطلق النار بشكل مباشر تجاه النازحين، ممن حاولوا العودة لمناطق سكناهم.
كما استخدمت قوات الاحتلال مُسيرات، مُزودة برشاشات، وكانت تُحلق فوق المناطق حتى 1000 متر في عمق مدينة رفح، وُتطلق النار على المواطنين، ممن يحاولون العودة لبيوتهم.
ويحدث عمليات إطلاق نار يومية تجاه مواطنين يحاولون الوصول لمنازلهم، أو المناطق التي يقيمون فيها، ما تسبب بسقوط عشرات الشهداء والجرحى.
وأكد المواطن سعيد نصر، إنه حاول الوصول لمخيم يبنا جنوب رفح، ولم يستطع، بسبب وجود الرافعات التي تكشف المنطقة بالكامل، إضافة لطائرات مُسيرة "كواد كابتر"، تحلق في جميع أنحاء جنوب مدينة رفح.
وأوضح نصر أن الاحتلال خلق منطقة عازلة على طول مناطق جنوب مدينة رفح، وحولها لمناطق شديدة الخطورة، ويقتل كل شخص يُحاول الوصول لتلك المناطق.
وبين أن بقاء الاحتلال في محور صلاح الدين مشكلة كبيرة، تسببت بحرمان نصف السكان من العودة لبيوتهم أو حتى أنقاضها، وجعلت النطاق السكاني محصور في بلدتي خربة العدس ومصبح، وأجزاء من مخيم الشابورة، وحي تل السلطان.
وتمنى نصر، وغيره من المواطنين، أن تنسحب قوات الاحتلال من المحور المذكور في نهاية المرحلة الأولى من الصفقة، وألا يتحول وجود الاحتلال في المحور إلى وجود دائم، ما يعني أن جميع سكان رفح سيعانون، فالرصاص الذي ينطلق من محور صلاح الدين، يصل حتى أحياء وبلدات شمال رفح، ويُهدد الجميع.
كتب: محمد الجمل