مع دخول مربعانية الشتاء، وتوالي وصول المنخفضات الجوية، باتت درجات الحرارة تتدنى بشكل كبير، خاصة في ساعات الليل، وتصل في بعض الليالي إلى خمس درجات مئوية وأحياناً أقل.
وتسبب البرد الشديد خاصة في مناطق المواصي التي يتواجد فيها ما يزيد على 200 ألف خيمة، تؤوي نحو مليون شخص، في تفاقم معاناة النازحين، وزيادة معاناتهم، لاسيما وأن غالبية الخيام لا تقي من البرد، ومعظمها مصنوعة من القماش البالي.
معاناة تصل للموت
وأدى البرد الشديد وتداعياته إلى تأزم أوضاع النازحين، وزيادة معاناتهم، واصابة الآلاف منهم بأمراض ومتاعب صحية.
ولم يقتصر الأمر على المتاعب الصحية، إذ بدأت الوفيات تتزايد، فقد سُجلت العديد من الوفيات في صفوف الأطفال، إذ أكد رئيس قسم الأطفال في مستشفى ناصر الحكومي في محافظة خان يونس، جنوب القطاع، أن المستشفى استقبلت 3 وفيات في صفوف الأطفال، بسبب البرد الشديد وسوء التغذية، وتتراوح أعمارهم ما بين 4-21 يوماً، في حين سُجلت حالات وفاة في صفوف الأطفال، في مناطق شمال القطاع.
وقال المواطن خالد ياسين، إن تدني درجات الحرارة في مناطق المواصي الملاصقة للبحر انعكس عليه وأفراد عائلته بالسلب، خاصة في ظل نقص الأغطية، وشح الملابس الشتوية.
وأكد أنه ومع دخول الليل، تبدأ رياح شرقية أو شمالية شديدة البرودة بالهبوب، وتتسلل هذه الرياح الى الخيام، لافتاً إلى أنه يحاول قدر الإمكان إغلاق خيمته، واشترى نايلون لحمايتها من المطر، لكنه فشل في منع تدفق الهواء البارد لداخل الخيمة ليلاً، وطوال الليل يشتكي أطفاله من البرد، رغم محاولاته المستمرة لتدفئتهم.
وأوضح أنه لجأ لجمع أبنائه في الأغطية، ففي السابق كان لكل فرد غطاء واحد، أما الآن فينام كل اثنين الى جانب بعضهما ويضع عليهما غطاءين، بحيث ينام الصبية الى جانب بعضهم، والبنات إلى جانب بعضهن، لكن رغم ذلك مازالوا يشعرون بالبرد الشديد.
وبين ياسين، أنه بحاجة ماسة لأغطية، وملابس شتوية، وفي منزله الذي علم أنه جرى تدميره في رفح، كان يتواجد الكثير من الملابس والأغطية، وندم أشد الندم على أنه لم يأخذها معه حين نزح منه، لكنه لم يكن يعلم أن فترة النزوح ستطول، وستصل للشتاء.
في حين يقول المواطن عبد الرحيم سليمان، إن معظم أبنائه باتوا يعانون أوضاع صحية متردية وبعضهم أصيبوا بنزلات برد حادة، بعدما تعرضوا للبرد الشديد خلال الفترة الماضية.
وأوضح أن الخيمة مكان غير صالح للعيش في فصل الشتاء، وفي ساعات الليل تصبح عبارة عن مكان شديد البرودة، وفي ظل نقص الأغطية سيكون الامر كارثياً.
وأشار إلى وجوب تحرك الجهات الإغاثية لحماية النازحين من البرد والأمطار، وتبعات ذلك، فالأمراض بدأت تتفشى بشكل أكبر، والمعاناة تزيد.
وأكد سليمان لـ"فلسطين بوست"، أن أسعار الملابس الشتوية مرتفع، وهذا عبء إضافي عليه وعلى أرباب الأسر، التي تعاني ضيق الحال.
انعدام وسائل التدفئة
وشكل انعدام وسائل التدفئة التقليدية والحديثة، في ظل البرد القارص، معضلة كبيرة أمام النازحين، اللذين يعانون انعدام شبه كلي لجميع أنواع المدافئ الكهربائية، أو تلك التي تعمل على وقود الكيروسين، أـو الغاز، أو أية وسائل تدفئة أخرى.
وهذا عمق معاناة المواطنين، لاسيما الأطفال وكبار السن، والمرضى، وهم الأكثر تأثراً بالبرد، وبات المئات منهم يترددون على المراكز الصحية والمستشفيات، بسبب تبعات البرد الشديد.
ووسط البرد القارس، لم يجد النازحون سوى النار وسيلة للتدفئة، فتوجه بعضهم لشراء الخشب والحطب، بهدف إشعاله لأغراض التدفئة، خاصة خلال ساعات الليل، رغم الخطر الكبير من اشعال النار في الخيمة، المصنوعة من النايلون والقماش، خشية اشتعالها، إضافة لارتفاع أسعار الخشب والحطب، ما يجعل كلفة التدفئة مرتفعة.
وقال المواطن شريف مصطفى، إن عائلته تعاني البرد الشديد، فحتى كسوة الخيمة بالشوادر لم يحل المشكلة، وهذا يُجبره على إشعال النار في أغلب الأيام، إذ يشتري خشب وحطب، وأحياناً فحم، ويشعل النار لتدفئة أفراد عائلته، موضحاً أنه يستغل النار لتطهو زوجته بعض الأكلات، أو تقوم بتسخين المياه لاستحمام أطفاله، أو لغسل الملابس.
وأكد مصطفى لـ"فلسطين بوست"، أن النار تحل المشكلة بشكل مؤقت، فطالما بقيت مشتعلة، وعائلته حولها يشعرون بالدفء، أما إذا انطفأت وغادروا محيطها، يشعرون بالرد من جديد، ومن المستحيل إبقاء النار مشتعلة طوال الليل، لان هذا يُشكل خطر كبير عليهم، موضحاً أنه لم يسبق أن شعر في حياته بالبرد كما يشعر به في الخيمة.
وأشار مصطفى أن النار التي كانت في السابق وسيلة تدفئة بدائية لا يلجأ إليها غالبية الناس، ويفضلون المدافئ الحديقة، لكنها باتت في الوقت الحالي حلم للنازحين، الجميع يتمنون لو تمكنوا من إشعالها، لكن بسبب ارتفاع أسعار الحطب والفحم ولا يستطيع الكثيرون شرائها.
نازحون يخشون الأمطار
ويعيش مئات الآلاف من النازحين في مواصي خان يونس أجواء من القلق والترقب، مع توقعات دوائر الأرصاد الجوية بموجة من الأمطار قد تكون غزيرة، مُتوقعة نهار نهاية الأسبوع الجاري.
وبمجرد شُيوع أخبار اقتراب الأمطار مجدداً، شرع نازحون بالاستعداد لاستقبالها، إذ شهدت مخيمات النزوح حركة نشطة، وعمل مُستمر، فهذا يُغطي خيمته بالشوادر، وذاك يضع النايلون فوقها وعلى جوانبها، وثالث يضع أكوام من الرمال أمام خيمته المُقامة على شاطئ البحر، خوفاً من علو الأمواج وإغراقها.
وقال المواطن عماد عبد الكريم، إن الأمطار تُعتبر بمثابة كارثة على النازحين، وهطولها يتسبب بمعاناة شديدة لهم، لذلك الجميع يخشون قدومها، وإذا ما علموا بقرب الهطول، يستعدون جيداً لتلافي أضرارها قدر المُستطاع.
وأكد عبد الكريم أنه جلب شادر رابع، وقطعة كبيرة من النايلون، ومنذ يومين يعمل على إحكام تغطية خيمته، كما اشترى دعامات خشبية لتثبيت الخيمة، وتقوية الشادر، حتى لا يطير بفعل الرياح.
وأشار إلى أنه يستعد لما بعد المطر، فمن خلال تجارب موجات الأمطار السابقة، عرف أنه وبعد كل موجة هطول تتدنى درجات الحرارة بشكل كبير، خاصة خلال ساعات الليل، لتصبح أقل بكثير من الوضع الاعتيادي، لذلك يقوم بمحاولات لجلب أغطية جديدة.
وأوضح أن النازحين يدعون الله ليل نهار، كي لا تهطل الأمطار، وأن يتواصل انحباسها، وأن يمر الفصل الماطر سريعاً، فالأمطار التي كان الجميع يفرحون لهطولها، لم يعد يتمنى أحد أن تهطل في ظل هذه الظروف الكارثية.
وكان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، أكد أن أكثر من 10 آلاف خيمة دُمرت، وغرقت بسبب موجات الأمطار السابقة، وهناك مخاوف من حدوث المزيد من الدمار في الخيام خلال الفترات القادمة.
كتب: محمد الجمل