لم يترك الاحتلال مخالفة للقوانين والمعاهدات الدولية، إلا وارتكبها في قطاع غزة، بدءا بالمجازر المُروعة التي تستهدف المدنيين، والتي وصلت وفق ما أكدته محكمة العدل الدولية في لاهاي، إلى جرائم إبادة وتطهير عرقي، مروراً بالتهجير القسري، وتدمير مدن وقرى، وإبادة الغطاء النباتي، وليس انتهاءً بجرائم الإعدام الميداني، والاعتقالات التعسفية، والتنكيل بالأسرى على نحو غير مسبوق.
ومن بين أبشع الجرائم التي نفذها الاحتلال في قطاع غزة، كانت جريمة استخدام المدنيين دروعاً بشرية، إذ أجبر الاحتلال العشرات من سكان القطاع، إن لم يكن المئات، على الدخول في مناطق شديدة الخطورة، منها الأنفاق، ومنازل يُشتبه بتفخيخها من قبل المقاومة، وربطهم على مقدمة الدبابات، أو الاختباء خلفهم، خشية نيران المقاومة.
شهادات حية
"فلسطين بوست"، وثقت بعضاً من الشهادات الحية، لمواطنين استخدمهم الاحتلال كدروع بشرية، منهم المواطن أحمد الحطاب من سكان مدينة غزة، الذي تعرض للاعتقال من داخل مجمع الشفاء الطبي، واستخدمه الاحتلال كدرع بشري، إذ أجبره الجنود على الدخول إلى أنفاق للمقاومة، وبيوت ينوي الجيش دخولها، بهدف تفتيشها وتطهيرها.
وأكد الحطاب أن جيش الاحتلال نقله من مدينة غزة، إلى محافظة رفح، التي تخضع للاحتلال، وهناك أُجبر على ارتداء بذة عسكرية تابعة للجيش الإسرائيلي، ووضعوا كاميرا على رأسه، ليتم تحويله إلى طعم للمقاومة، بهدف معرفة أماكن تمركز المقاومين، حال اطلقوا النار عليه، وهناك أُجبر على الدخول لمناطق خطرة منها أنفاق، وأزقة، وبيوت، حيث كانت الكاميرا تسجل وتلتقط صوراً لكل المناطق التي يدخلها، بينما يتابع الجنود تحركاته عن بُعد.
وأكد أنه كان يعيش أجواء خوف ورعب، خاصة أنه يسير وسط إطلاق نار، فلا هو قادر على رفض الأوامر خشية تصفيته، وكذلك يخشى أن يتعرض لإطلاق نار أو انفجار خلال دخول المناطق الخطرة.
في حين يقول الشاب محمد عربي شبير، من سكان مدينة خان يونس، إنه اعتقل من داخل منزله في مدينة حمد، بعد إطلاق قذيفة على المنزل تسببت باستشهاد والده، ثم اقتحام المنزل وإطلاق النار بداخله، ما أسفر عن استشهاد شقيقته، وجرى أخذه عنوة، وإلباسه بذة عسكرية، واستخدامه كدرع بشري، وأجبروه على دخول العديد من الشقق داخل مدينة حمد.
وأكد أنهم كانوا يجبرونه على الدخول إلى حيث يريدون، ويضربونه، وينكلون به، ويرسلون في بعض الأحيان معه كلب، ما كان يُعرضه لخطر شديد.
أما المواطن إيهاب أحمد، وهو أسير محرر، وفقد أسرته جراء قصف استهدف شقته، شمال القطاع، وقد أصيبت ابنته بجروح بالغة، وقد اعتقل من داخل مستشفى كمال عدوان شمال القطاع، وجرى إطلاق سراحه عبر حاجز كرم أبو سالم، جنوب مدينة رفح، وقد تفرق عن ابنته التي نجت من المجزرة، والتي تبلغ من العمر 3 سنوات فقط، فهو يتواجد جنوب القطاع، وابنته المصابة في شماله، لا يستطيع رؤيتها، وهي لا تستطيع رؤيته.
وأكد أنه جرى استخدامه كدرع بشري، وإجباره على الدخول إلى منازل وشقق، ومباني مهجورة ومناطق خطرة، وقد عاش ساعات وأيام من الرعب، وبعد تحرره يتمنى اللقاء بابنته التي تبتعد عنه قسراً.
توثيق دولي
ورصدت العديد من الجهات الإعلامية الدولية، لجوء الاحتلال لاستخدام المدنيين في غزة دروعاً بشرية، في تحدٍ سافر للقانون الدولي، والمعاهدات الدولية، إذ أكدت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية أن ما لا يقل عن 11 فريقاً مكوناً من جنود وعناصر استخبارات إسرائيليين، استخدموا الفلسطينيين دروعًا بشرية في 5 مدن بغزة.
وأوضحت أن الجنود الإسرائيليين أرسلوا قَسْرا مدنيين فلسطينيين معتقلين إلى مناطق يعتقدون أن عناصر حركة "حماس" نصبوا كمائن فيها.
وذكرت الصحيفة، أن الجنود الإسرائيليين أجبروا الفلسطينيين على استكشاف وتصوير شبكات الأنفاق التي اعتقدوا أن عناصر "حماس" ما زالوا مختبئين فيها، ونقل الأشياء التي يعتقدون أنها مفخخة في هذه الأنفاق، مثل المولدات الكهربائية وخزانات المياه.
وفي حديثهم إلى صحيفة "نيويورك تايمز"، اعترف 7 جنود إسرائيليين بأنهم شاهدوا أو شاركوا في الممارسات المذكورة.
وذكر هؤلاء الجنود أن استخدام المدنيين الفلسطينيين المحتجزين كدروع بشرية، كان ممارسة روتينية وعادية ومنظمة وأن ذلك تم بمعرفة قادتهم.
وتحدثت الصحيفة أيضاً إلى 8 جنود ومسؤولين إسرائيليين على علم بالممارسة المذكورة، بشرط عدم الكشف عن أسمائهم، بشأن استخدام الفلسطينيين كدروع بشرية في غزة.
وأوضح الجنود أنهم بدؤوا باستخدام هذه الممارسة خلال الحرب الحالية بسبب الرغبة في الحد من المخاطر التي يتعرض لها المشاة.
مخالفات جسيمة للقانون الدولي
ووفق المرصد "الأورومتوسطي" لحقوق الإنسان، فإن اتفاقية جنيف لعام 1949، تُلزم السلطة القائمة بالاحتلال "إسرائيل"، على ضرورة نقل المعتقلين إلى مناطق آمنة من مخاطر الحرب، فإن الشهادات التي جمعها "المرصد الأورومتوسطي" تؤكد أن الاحتلال أبقى عددًا من المعتقلين من داخل مجمع الشفاء لأيام متواصلة في مناطق القتال، بغرض استخدامهم دروعا بشريةوجعل مواقع تجمع قواته وآلياته في مأمن من العمليات العسكرية.
وسبق أن وثق الأورومتوسطي استخدام جيش الاحتلال مدنيين فلسطينيين كدروع بشرية ووضعهم على نحو متعمد في أماكن استراتيجية، وأمام الأهداف العسكرية، بقصد محاولة منع مهاجمتها، ولتحصين قواته وعملياته العسكرية في قطاع غزة.
وأضاف المرصد : " عمد جيش الاحتلال لاستخدام المدنيين الفلسطينيين لحماية نقاط تجمع وتحرك قواته أثناء الاقتحامات البرية وتنفيذ الهجمات العسكرية، وكذلك إجبارهم على السير أمام الآليات العسكرية لدى اقتحام منازل وبنايات يُعتقد أنها مفخخة.
ووثق المرصد "الأورومتوسطي" حالات وصلت حد تفخيخ بعض المدنيين الفلسطينيين بكميات كبيرة من المتفجرات، وربطها بحبل على خاصرتهم، مع وضع كاميرا على رأسهم، ثم إنزالهم داخل فتحات أنفاق، أو إجبارهم على الدخول إلى مواقع يعتقد الاحتلال أنها تستخدم لأغراض عسكرية.
وشدد "الأورومتوسطي" على الحظر المُطلق لاستخدام المدنيين كدروع بشرية خلال النزاعات المسلحة، باعتبارهم أشخاصًا محميين وفقًا للقانون الدولي الإنساني، بقواعده العرفية والمكتوبة، بما في ذلك ما نصت عليه اتفاقيات جنيف وبروتوكولها الأول.
ويُعتبر استخدام المدنيين كدروع بشرية جريمة حرب تخضع لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وفقًا لنظام روما الأساسي...لذا يجب تفعيل المساءلة القضائية الدولية لمرتكبي هذه الجرائم وتحقيق العدالة للضحايا.
ويُبدي المرصد الأورومتوسطي قلقه العميق إزاء الوضع في قطاع غزة، والمخاطر الماثلة أمام المدنيين، بمن في ذلك المرضى والعاملون الصحيون والنازحون، المحميون بموجب القانون الدولي الإنساني، واستخدام بعضهم كدروع بشرية، مؤكدًا على ضرورة حماية المنشآت الطبية والأشخاص المدنيين، وضرورة تحمل المجتمع الدولي مسؤولياته الدولية في وقف جريمة الإبادة الجماعية التي يتعرض لها جميع سكان قطاع غزة، والتحرك الفوري والجاد لوقف جميع جرائم جيش الاحتلال الإسرائيلي التي يرتكبها ضد المدنيين والأعيان المدنية المحمية بموجب القانون الدولي.
كتب: محمد الجمل