ما زالت حالة الجوع تستشري في صفوف سكان قطاع غزة عامة، وجنوبه ووسطه على وجه التحديد، حيث يعيش نحو 2 مليون شخص بدون خبز منذ قرابة 40 يوماً.
وخلف شح الطحين مآسي كبيرة في صفوف المواطنين، وأدى إلى انتشار أعراض ومشاكل سوء التغذية، وأجبر الناس على اللجوء لبدائل عالية التكلفة، وأحياناً غير مناسبة.
تناول الطحين التالف
وتضطر الكثير من العائلات لإعداد الخبز من طحين فاسد، إما يغامرون من أجل جلبه من رفح، التي تخضع للحصار والقصف، أو عبر شرائه بأسعار عالية.
ويقول المواطن علاء حمدان، إنه اشترى من جاره نصف شوال طحين، غامر الأخير بحياته، ووصل إلى رفح، وجلبه من أحد المخازن التي اضطر القائمون عليها لتركها.
وأكد حمدان أن زوجته فوجئت بأن الطحين مليء بالحشرات والدود، ورائحته نفاثة، لكن زوجته اضطرت لتنخيله، وتجهيز الخبز منه، وكان مذاقه سيء لدرجة ميل الطعم للمرار، رغم إضافة مُحسنات للطعم، مثل الفانيلا، وغيرها، مقسماً أنه يضطر لإغلاق أنفه حين يأكل الخبز، حتى لا يتذوقه.
وأكد حمدان لـ"فلسطين بوست"، أنه في الوضع الطبيعي كان مثل هذا الطحين التالف لا يستخدمه أحد، ويتم رميه، أو تحويله كأعلاف للمواشي، لكن الآن في ظل الأزمة، يضطرون لأكله، لافتاً إلى أنه من المُحزن أن يُباع الطحين التالف في الأسواق، والأسوأ أن بعض المواطنين يتناولون طحين مخلوط بالرمل، بعد سقوطه من شاحنات المساعدات على الأرض، وجمعه من أجل أكله.
وأشار حمدان إلى أن الاحتلال يتعمد تعميق حالة الجوع، لذلك خلق أزمة الطحين في القطاع، وجعل الناس يعانون وهم يبحثون عن كِسرة خبز.
معاناة أمام المخابز
بينما يبدو المشهد أمام المخابز القليلة التي مازالت تعمل في القطاع خاصة في مدينة دير البلح، مأساوياً، إذ يقف المواطنون طوابير طويلة أمامها، امتد بعضها لمئات الأمتار.
ودفع شح الطحين، المواطنين للتدافع أمام المخابز، في محاولة للحصول على ربطة خبز لإطعام عائلاتهم الجائعة، وقد وصل التزاحم الشديد أمام بعضها، لحدوث شجارات وتدافع أدى إلى وقوع قتلى.
وقال المواطن يوسف الطويل، إنه يتوجه يومياً في ساعة مبكرة من الفجر إلى أحد المخابز في مدينة دير البلح، وسط القطاع، ويقف في طابور طويل، وينتظر لساعات طولية، حتى يحصل على الخبز، وفي معظم الأيام لا يحصل عليه.
وأكد أن الوضع أمام المخابز مأساوي بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فالناس في حال مُحزن، وهم يقفون في طوابير طويلة يتخللها تدافع وتزاحم، وينتظرون دورهم علهم يُحصلون القليل من الخبز.
في حين قال المواطن محمود داوود، إنه وبعد أسبوع من الانتظار اليومي أمام المخابز برفقة شقيقه الأكبر، تخللها معاناة كبيرة، قررا التوقف عن التوجه للمخبز حتى لو ماتا وعائلتيهما من الجوع، لما يتخلل ذلك من معاناة وصلت لحد الذل.
وأكد أنه ومن خلال تواجدهما مدة أمام المخابز، خلصا إلى أن الآلية المتبعة بتوزيع الطحين على المخابز وامدادها بغاز الطهي والوقود من بعض المنظمات الإغاثية الدولية، مقابل بيع الربطة بـ3 شيكل للمواطنين أثبتت فشلها، لعدة أسباب أهمها محدودية المخابز وقلة الإنتاج، فأقل من 2% من السكان تحصل على الخبز، وهذه الآلية كان ممكن أن تنجح حال كان هناك عدد كبير من المخابز، تنتج خبز يكفي الجميع، أما السبب الثاني فيتمثل في خلق سوق سوداء موازية، عبر تسريب كميات كبيرة من الخبز من داخل المخابز وعرضها للبيع مقابل ما بين 35-40 شيكل للربطة، وهذا يدلل على أن ثمة حالة فساد في إدارة هذا الملف، يجب التحقيق فيها.
وشدد داوود على أن الطريقة الأمثل هي توزيع الطحين على العائلات وفق الطريقة المتبعة، حتى لو وصل الأمر لشوال طحين واحد لكل عائلة بصفة مبدئية، لأن هذا الأمر فقط يعني عدالة التوزيع، وحصول الجميع على الطحين، دون المساعدة في خلق أسواق سوداء، أو حدوث قتلى ومصابين بسبب التدافع أمام المخابز، ويحفظ ويصون كرامة الناس الجوعى، داعياً لإعادة تقييم الآلية المذكورة بأسرع وقت ممكن، والعمل على حماية الناس.
بدائل عالية التكلفة
ووصل ثمن شوال الطحين وزن 25 كيلو إلى 800 شيكل وأحياناً أكثر ما دفع بعض الباعة لعرضه للبيع بالكيلو، حيث يُباع الكيلو جرام الواحد ما بين 30-35 شيكل.
وأمام هذه الأزمة الكبيرة، اضطر المواطنون للجوء لبدائل أخرى، لتوفير الطعام لأبنائهم، كون الخبز كان الطعام الرئيسي لجميع العائلات في القطاع.
وأكد المواطن محمد فايق، أنه دخل إلى شبكة الانترنت، وبحث عن بدائل للطحين، ووجد الكثير من الأفكار، أقربها للتطبيق في حالة غزة هي استخدام المعكرونة، وعجنها، واستخدامها لإنضاج الخبز.
وأوضح فايق أنه يقوم بجلب المعكرونة، وهي متوفرة لديه منذ وقت سابق، وتقوم زوجته بنقعها في الماء لعدة ساعات، ومن ثم تصفيتها من الماء، وإضافة بعض الطحين اليها، وعجنها، وكل كيلو معكرونة يعطي ما بين 10-12 رغيف، وهذا يساعد بعض الشيء في توفير الخبز.
وذكر أنه بات يشتري القليل من الطحين، لإضافته للمعكرونة، وسيستمر في هذا النحو حتى تنفذ المعكرونة من منزله، وسيبحث عنها لشرائها من السوق، وحال لم يجد، حينها سيبحث عن بديل آخر.
بينما أكد مواطنون أنهم طحنوا العدس والفاصوليا، واستخدموها كبديل للطحين.
في حين يضطر معظم المواطنين للجوء للرز كبديل عن الطحين، أسوة بسكان بعض الدول في آسيا، التي تعتمد على الرز كوجبة رئيسية.
وأكد المواطن موسى عطية، أنه نفذ خطة لوجبات الطعام بالاتفاق مع زوجته، لمواجهة أزمة الجوع المُستشرية، في محاولة لتوفير الطعام لأبنائه، وتقوم خطته على اقتصار وجبات الطعام اليومية إلى وجبتين بدلاً من 3، فيؤخرون وجبة الإفطار إلى الساعة 11 صباحاً، ويتناولون فيها الخبز مع الزعتر، ومعلبات الحمص، إذ اشترى 6 كيلو من الطحين بثمن مرتفع، والوجبة الأخرى تكون بعد صلاة المغرب مباشرة، وهي مكونة من الرز، وتتفنن زوجته بإعداده، تارة مع شوربة، وأخرى بدون شيء، وأحياناً تضيف له معلبات البازيلا أو الفاصوليا، والهدف من ذلك تقنين استهلاك الخبز لأدنى حد.
وأوضح عطية لـ"فلسطين بوست"، أن المشكلة الأساسية بارتفاع أسعار الرز فثمن الكيلو يصل إلى 30 شيكل، وأحياناً أكثر، فإما شراء الطحين بأسعار عالية، أو الرز، لكنه يفضل الأخير، فهو بديل مناسب عنه.
وأكد أن حال الناس خاصة الفقراء في ظل شح الطحين صعب، وباتت تكيات الطعام المجانية القليلة التي مازالت تعمل، هي وجهتهم لتوفير قوت عائلاتهم.
كتب: محمد الجمل