ما زالت الجرائم والمجازر الإسرائيلية متواصلة في عموم قطاع غزة، خاصة في المناطق التي زعم الاحتلال أنها "إنسانية آمنة"، فقد شهدت مواصي خان يونس واحدة من أبشع وأكبر المجازر منذ بدء العدوان، بعد قصف مُباغت لمخيم مكتظ بالخيام، ما تسبب بسقوط عشرات الشهداء والجرحى.
ووفق ما أكده مواطنون يتواجدون في منطقة مواصي خانيونس، جنوب قطاع غزة، فإن مئات المخيمات الصغيرة، وهي عبارة عن تجمعات من الخيام، يضم كل تجمع ما بين 20-100 خيمة، يقيم فيها النازحون، تتواجد في منطقة مواصي خان يونس، وهذه الخيام وضعت على أرض رملية، متلاصقة، وهي أضعف من أن تقاوم أية غارة، وتمنع حتى رصاصة.
وبمجرد سقوط الصواريخ الكبيرة على المخيم المذكور، عند حوالي الواحدة من فجر أمس، غطى الغبار المنطقة بالكامل، وتناثرت الشظايا على بعد مئات الأمتار، وراح المواطنون والمسعفون يبحثون عن موقع القصف، لكنهم فوجئوا باختفاء مخيم يضم عشرات الخيام بالكامل، وحل مكانه حفر كبيرة وعميقة، تسببت بها الصواريخ.
مجزرة مروعة
عند الثانية عشر والنصف من فجر اليوم الثلاثاء، كان المخيم الهادئ على موعد مع مجزرة كبيرة، إذ أسقطت طائرات الاحتلال خمس قنابل كبيرة، تزن الواحدة منها ما بين 500—100 كيلو جرام، تسببت بدفن الخيام بمن فيها تحت الأرض، واحدثت حفراً وصل عمق بعضها لنحو 15 متراً.
وصُدم مواطنون ونازحون باختفاء المخيم بالكامل، بينما هُرع المئات للبحث عن المفقودين، وبدأت عمليات انتشال الجثامين.
وقال المواطن أيمن سعيد، إنه يقيم على بعد 200 متر من المخيم الذي وقعت فيه المذبحة، موضحاً أنه وكعادتهم يؤوي سكان مخيمات النزوح إلى خيامهم مبكرين، بهدف النوم والراحة بانتظار يوم جديد ملئ بالشقاء والعناء، دون أن تعلم تلك العائلات أن الموت يتربص بها.
وقال: بينما كان الجميع في سبات ونوم عميق، هزت خمسة انفجارات كبيرة المنطقة، وتناثرت الشظايا وغطت سحابة من الدخان والغبار الكثيف المنطقة، وتساقط الطين والرمال المتطاير على خيام النازحين، وتسبب بسقوطها على من فيها.
وأوضح سعيد لـ"فلسطين بوست"، أن المنقذون هبوا في البداية لإخراج العالقين تحت الخيام، ممن انهارت عليهم خيامهم، وهي مهمة كانت أولوية، لأنهم كانوا معرضين للاختناق، خاصة أن بعض الخيام تكاد تكون دفنت.
وأكد أن العشرات راحوا يبحثون عن الشهداء والمفقودين، لكن الأمر كان صعباً، فالخيام المستهدفة دفنت على عمق كبير داخل الأرض، والمر تطلب وصول فرق إنقاذ متخصصة، مزودة بمعدات حفر للوصول للجثامين المدفونة.
وأكد منقذون ومسعفون أن المنطقة المُستهدفة اختفت عن وجه الأرض بفعل استهداف الاحتلال لمجمع خيام نازحين يتواجد فيه حوالي 20 خيمة، يسكنها نحو115 شخصاً، جميعهم مدنيين من العائلات التالية: فوجو، ماضي، طعيمة، الشاعر، والعاجز، وهناك عدد من العائلات الاخرى في المكان.
بينما قال المواطن محمود عوض، إنه شارك في جهود الإنقاذ ولم يسبق أن شاهد قصفاً يُخلف كل هذا الدمار، فالاحتلال استخدام صواريخ كبيرة، قلبت الأرض، وجعلت الخيام في باطنها، وأحرقت الخيام والجثامين.
وبين عوض لـ"فلسطين بوست" أن عمليات البحث عن مفقودين استمرت طول نهار أمس، وساعد فيها مواطنون ومتطوعون.
في حين قال الدفاع المدني إن الغارات الإسرائيلية على خيام النازحين في مواصي خان يونس خلفت 3 حفر كبيرة، ابتلعت الخيام وردمتها بمن فيها داخل الأرض، وأن الاحتلال استخدم صواريخ ارتجاجية ثقيلة في الغارات على خيام النازحين.
وذكر الدفاع المدني أن العمل على انتشال الضحايا من تحت الأرض استغرق وقت طويل، وجرى استخدام معدات يدوية في البحث عن الشهداء، والوضع كان كارثياً، لاسيما وأن الغارة نُفذت في وقت متأخر من الليل.
وأكد المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة أن الفرق الإغاثية قضت ساعات طويلة من العمل، في محاولة لانتشال عشرات الشهداء والجرحى من مكان القصف والاستهداف، حيث تأتي هذه المجزرة المروعة بالتزامن مع إسقاط الاحتلال للمنظومة الصحية، وتدمير المستشفيات وإخراجها عن الخدمة.
رعب في المناطق الإنسانية
وخلفت المجزرة الأخيرة في مناطق المواصي حالة من الرعب والخوف، خاصة أنها تكررت أكثر من مرة في قلب المناطق التي زعم الاحتلال أنها "إنسانية وآمنة".
ومنذ ساعات الصباح انهمك ناجون بمحاولة صيانة خيامهم، بينما قرر الكثيرون ترك المنطقة، والبحث عن مناطق أخرى، ومن بينهم المواطن عبد الله النجار، الذي أكد أن خيمته تمزقت جراء القصف، وأبنائه يعيشون الخوف والرعب بشكل غير مسبوق، وقد قرر ترك المنطقة، التي تملؤها راحة الموت، لكنه لا يعرف أين سيتوجه، فسيبحث عن أي مكان آخر يقيم فيه، المهم أن يترك المنطقة، حتى يشعر أبنائه ببعض الراحة، ويبدد مخاوفهم التي يعيشونها بسبب المجزرة، خاصة أن بعضهم شاهدوا أشلاء الشهداء.
وأكد النجار لـ"فلسطين بوست" أن المناطق التي زعم الاحتلال أنها آمنة باتت خطيرة، ومُرعبة، والناس لا يعلمون أين يتوجهون، فالمخيمات جرى قصفها، والمدارس استهدفت، والبيوت قُصفت، ولم يعد هناك مكان يمكن أن يتوجه النازحون إليه.
ولفت إلى أن الاحتلال كعادته يريد أن يوصل رسالة للجميع بأنه لا يوجد مكان آمن في القطاع، وأن ما يتم ترويجه عن مناطق إنسانية آمنة، هي رسالة للعالم للظهور بمظهر إنساني، لكن الحقيقة مخالفة لذلك تماماً، والمجازر على الأرض تثبت ذلك.
وتعد المجزرة المذكورة ثالث أكبر مجزرة ارتكبها الاحتلال في منطقة مواصي خان يونس خلال العدوان الحالي، بعد مجزرتي شارع النص، والبركسات، والتي راح ضحيتها مئات الشهداء والجرحى.
ادعاءات كاذبة
وأكد المكتب الإعلامي الحكومي أن جيش الاحتلال يحاول تضليل الرأي العام من خلال نشر الأكاذيب والبيانات الزائفة، والروايات الملفقة التي يروّج لها، وهي محاولة فاشلة منه لتبرير المذبحة، التي استهدف خلالها خيام النازحين، وفق بيان المكتب الإعلامي.
وحمل المكتب الإعلامي الحكومي الاحتلال الإسرائيلي، والإدارة الأمريكية المسئولية الكاملة عن استمرار هذه المجازر المروّعة ضد المدنيين، وضد الأطفال والنساء، وضد خيام النازحين تحديداً، مطالباً المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، والمنظمات الدولية المختلفة، وكل دول العالم الحر، بالضغط على الاحتلال "الإسرائيلي" والإدارة الأمريكية، لوقف حرب الإبادة الجماعية، وإيقاف شلال الدم المتدفق في قطاع غزة، مطالباً أيضاً بملاحقة الاحتلال قانونياً لوقف هذه المهزلة التاريخية الإنسانية.
وطالب مواطنون بمحاسبة الاحتلال على مجزرته الأخيرة وما سبقها من مجازر، مطالبين بمحاسبة الاحتلال على جرائمه المتواصلة.
وقال المرصد "الأورومتوسطي"، لحقوق الإنسان إن القصف الإسرائيلي على خيام النازحين تم بقنابل "MK84"، أميركية الصنع، وهي قنابل ذات تدمير واسع، وهذا مؤشر واضح على نية الاحتلال قتل أكبر عدد من المدنيين.
وأوضح المرصد أن الاحتلال كثف في الآونة الأخيرة استخدام المُسيرات، في ارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين.
كتب: محمد الجمل